يَعْدُوهُ ، وَطَالِبٌ حَثِيثٌ مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ وَمُزْعِجٌ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً ! فَلَا تَنَافَسُوا فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَفَخْرِهَا ، وَلَا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَنَعِيمِهَا ، وَلَا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَبُؤْسِهَا ، فَإِنَّ عِزَّهَا وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ ، وَإِنَّ زِينَتَهَا وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ ، وَضَرَّاءَهَا وَبُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ ، وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ ، وَكُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ .
أَ وَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ ، وَفِي آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ وَمُعْتَبَرٌ ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ! أَ وَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُونَ ، وَإِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لَا يَبْقَوْنَ ! أَ وَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى : فَمَيِّتٌ يُبْكَى ، وَآخَرُ يُعَزَّى ، وَصَرِيعٌ مُبْتَلًى ، وَعَائِدٌ يَعُودُ ، وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ ، وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ ، وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ ؛ وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي ! خ / 99 / ص 144 أَيُّهَا النَّاسُ ، انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا ، الصَّادِفِينَ عَنْهَا ؛ فَإِنَّهَا وَاللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ ، وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآْمِنَ ؛ لَا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ ، وَلَا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ . سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ ، وَجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهْنِ ، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا .
رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ ، وَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ ، وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ ، وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ ، وَكُلُّ آتٍ
الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 245
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٢٤٥