تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
جُنُوداً ! تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ ، وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيْثَارٍ ، ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغٍ وَلَا ظَهْرٍ قَاطِعٍ . فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ ، أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ ، أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً ! بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَادِحِ ، وَأَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ ، وَضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ ، وَعَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ ، وَوَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ ، وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ « رَيْبَ الْمَنُونِ » . فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا ، وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ إِلَيْهَا ، حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ . وَهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلَّا السَّغَبَ ، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْكَ ، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظُّلْمَةَ ، أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَةَ ! أَ فَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ ، أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ ، أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ ؟ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا ! فَاعْلَمُوا - وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا ، وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا :
مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
: حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلَا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً ، وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً ، وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ ، وَمِنَ التُّرَابِ أَكْفَانٌ ، وَمِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ ، فَهُمْ جِيرَةٌ لَا يُجِيبُونَ دَاعِياً ، وَلَا يَمْنَعُونَ ضَيْماً ، وَلَا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً . إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا ، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا . جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ ، وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ . مُتَدَانُونَ لَا يَتَزَاوَرُونَ ، وَقَرِيبُونَ لَا يَتَقَارَبُونَ . حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ ، وَجُهَلَاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ . لَا يُخْشَى فَجْعُهُمْ ، وَلَا يُرْجَى دَفْعُهُمْ ، اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً ، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً ، وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً ، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً ، فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا ، حُفَاةً عُرَاةً ، قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقِيَةِ ، كَمَا قَالَ