الأمور من اختلاجات النفس المحجوبة عن الواقع كما لا يخفى . وبناء على ما عرفت ، فخضوع النفس وتصديقها بما تذعن وتصدق به من انكشافات الواقع ، من حالات النفس وليس بأمر مركب من موضوع ومحمول ونسبة سالبة أو موجبة . ومدعى ان التصديق هو مجموع هذه الأشياء لم يعرف مقال نفسه ولم يحط خبرا بهوية قوله فإنه ساقط للغاية ( التقريب ص 15 ) ( 21 ) فسر النسبة الحكمية بالنسبة التامة الخبرية الثبوتية في الموجبة ، والسالبة في السالبة . ومنهم من ذهب إلى أنها يجب ان يكون ثبوتية تقييدية فيهما والا يعبر السالبة موجبة عند وجود الموضوع وفيه نظر ، لأنه انما يصح لو كانت النسبة الحكمية تقييدية كما اعترف به وملحوظة تفصيلا على وجه تكون محكوما عليها كما إذا قلنا النسبة بين الطرفين باللاثبوت ليست بواقعة واما إذا كانت تامة خبرية وغير ملحوظة تفصيلا كما يفهم من قولنا : « زيد ليس بكاتب » وأدركتها ثم إذ عنتها وقبلتها فلا .
والحق انها تامة خبرية ، لان الحكماء اتفقوا على أن تصور النسبة الحكمية شرط لحصول الحكم وهذا الاتفاق منهم انما يصح إذا كانت النسبة الحكمية هي النسبة التامة الخبرية . لأنه ما لم يحصل تلك النسبة في الذهن لم يكن له الاذعان الذي هو من ضروريات الحكم واما إذا كانت الحكمية هي النسبة التقييدية الثبوتية فلا ، إذ يمكن بعد تصور الطرفين تصور النسبة التامة الخبرية بينهما بلا اذعان ثم مع الاذعان من غير ملاحظة نسبة تقييدية بينهما أصلا وذلك ظاهر لمن راجع وجدانه . ( عبد الرحيم ) ( 22 ) اعلم أنهم اختلفوا في حقيقة التصديق فقال الحكماء : انه نفس الاذعان والحكم .
والامام الرازي ومن تبعه : انه المركب من التصورات الثلاث والحكم ، بمعنى انه عبارة عن المجموع المركب من الأمور الأربعة : تصور المحكوم عليه وبه والنسبة الحكمية بينهما والاذعان .
وصاحب الكشف ومتابعوه : انه المركب من الأمور الثلاث الأول من حيث إن الحكم عارض لها وهو المشهور بالمذهب المستحدث . فالحكم على الأول نفس التصديق وعلى الثاني جزئه وعلى الثالث خارج عنه عارض له . والمصنف اختار المذهب الأول حيث قال : « العلم ان كان اذعانا للنسبة فتصديق » . وهاهنا زيادة كلام لا يليق بذلك المختصر فليطلب من المطولات . ( محمد على ) ( 23 ) قوله فقد اختار المصنف مذهب الحكماء : اعلم أن هاهنا مقامان :
الأول في التصديق وقد اختلف في حقيقته ما هي ؟
فذهب الحكماء إلى أنه عبارة عن الادراك على وجه الاذعان المتعلق بالنسبة التامة الخبرية فهو نوع آخر من الادراك مغاير للتصور بالذات لا بالمتعلق .
وذهب الامام الرازي ومتابعوه إلى أنه عبارة عن مجموع أمور أربعة : هي تصور محكوم عليه ، وبه ، والنسبة بينهما ، والحكم . وعدم تعرض المحشى للنسبة اما لان مقصوده هاهنا ليس تحقيق مذهب الامام وتفصيله بل بيان ما يميزه عن مذهب الحكماء أو لما سيجئ .
والفرق بين المذهبين : انه على الأول بسيط مشروط في تحققه أمور ثلاث وعلى الثاني مركب ، وما اصطلح عليه الحكماء راجح لأنه موافق لما هو غرضهم من تقسيم العلم إلى هذين القسمين ، لأنهم انما قسموا العلم إلى هذين القسمين ليمتاز كل منهما بطريق من طرق الاكتساب إذ كان بيانها على الوجه الجزئي متعذرا لكثرتها وعدم انضباطها لكن لما كانت مع تلك الكثرة راجعة إلى نوعين فأرادوا بيانها على الوجه
الحاشيه على تهذيب المنطق للتفتازاني — صفحة 171
مساهمون: عبد الله بن شهاب الدين الحسين اليزدي
ص١٧١