من ظاهره فقوله : وبعد ، فهذا هو على تقدير « اما بعد » فهذا وكلمة هذا الجارية من قلم الكاتب أو لسان المتكلم لم يؤت بها إلى كلام حاضر عتيد لان المتكلم والكاتب لم يأتيا بعد بشيء حتى يشيرا اليه بكلمة هذا ولكنهما لما جهزا أنفسهما لتحرير الكلام أو القاء الخطاب وجدا مطالبهما محشورة في الذهن مهيأة للبروز إلى الخارج فاشارا بكلمة هذا إلى ما هو مرتب حاضر في الذهن ، من المعاني المخصوصة المعبر عنها باأفاظ مخصوصة أو من تلك الالفاظ الدالة على المعاني المخصوصة اى : انّ ما هو مرتب حاضر في الذهن تارة يلتفت اليه باعتباره قوالب لمعان أو معاني تسبك في قوالب ، هذا إذا كان وضع الديباجة قبل التصنيف وامّا إذا كان وضعها بعده فكلمة هذا إشارة إلى النقوش الرامزة إلى الالفاظ القائمة بالمعاني المرادة في التأليف .
وقول الشارح : « سواء كان وضع الديباجة قبل التصنيف أو بعده إذ لا وجود للألفاظ المرتبة ولا للمعاني في الخارج » اشتباه فان الرموز الكتابية نسخة ثانية للألفاظ واللفظ تارة يتأدى بالصوت وأخرى بالنقوش الموضوعة . ( التقريب ص 11 ) ( 91 ) قوله وهذا إشارة إلى المرتب الحاضر في الذهن : هذه الإشارة مجازية ، لان الإشارة انما يكون للمشاهد المحسوس الحاضر فإذا أشير إلى المعدومات والموجودات المجردة والمادية النائية عن الحس كان ذلك مجازا وينزل حضوره عند العقل منزلة المحسوس الحاضر وانما اقتصر على هذين الاحتمالين مع أنه إشارة إلى الكتاب وهو كما يطلق على الالفاظ والمعاني ، كذلك يطلق على النقوش والمركب من الاثنين والثلاثة فتكون هاهنا سبعة احتمالات إذ لا يجوز حينئذ حمل « غاية تهذيب الكلام » عليه لان الكلام اما لفظي أو معنوي فاحتمال كون المشار اليه هو النقوش ليس بجائز لأنها ليست بكلام وكذا المركب من الاثنين والثلاثة . إذ المركب من الشئ وغيره ، غيره كما في غير المعاني والالفاظ واما فيهما فلعدم صحة اطلاق لفظ المشترك على المعنيين فلا بد ان يكون إشارة إلى الالفاظ أو المعاني . ( عبد الرحيم ) ( 92 ) قوله من المعاني المخصوصة : انما اختصر على هذين الاحتمالين مع أنه إشارة إلى الكتاب ويجوز فيه احتمالات سبع : المعاني المخصوصة والالفاظ المخصوصة والنقوش المخصوصة والمركب من الاثنين والمركب من الثلاثة كما سيأتي بعيد هذا ، لان قول المصنف : « غاية تهذيب الكلام » محمول على هذا كما سيصرح به المحشى ولا يصح الحمل الا على الاحتمالين المذكورين كما هو ظاهر فانّ الكلام منحصر على اللفظي والمعنوي كما سيأتي فلا يجوز الحمل على النقوش لأنها ليست بكلام ولا على المركب منها ومن الالفاظ أو المعاني ولا على المركب منها ومن الالفاظ والمعاني فان المركب من الشئ وغيره لا يصح حمل الشئ عليه ضرورة المغايرة بينهما وكذا المركب من المعاني والالفاظ فان المركب غير الاجزاء فاما ان يلزم استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد وهو غير جايز كما قرر في موضعه أو ارتكاب التجوز في الكلام مع الاستغناء عنه في المقام كما هو ظاهر لذوي الافهام . ( محمد على ) ( 93 ) قوله سواء . . . : السواء اسم مصدر بمعنى الاستواء يوصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى :
« تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ »
وما بعده في تأويل المصدر مبتداء هو خبر ، والتقدير : وكونها قبل التصنيف أو بعده سواء .
فان قلت : كلمة « أو » لاحد المتعدد والتسوية انما يكون بين المتعدد لا بين احده فالصواب الواو بدل