أو نقول : ليس للموجود المطلق مبدأ ، والممكن لو وقع لا بدّ له من مبدأ ، فيلزم وجود الواجب ، وقس عليه سائر البراهين .
ولا يذهب عليك سخافة هذا المنهج ، إذ لا يمكن دعوى الإمكان الوقوعي للممكن إلّا من جهة العلم بوجوده ، إذ ما لم يعلم ذلك فيحتمل أن يكون عند العقل وقوعه مستلزما لمحال سيّما مع ما يرى من لزوم الدور وغيره من المفاسد .
وإذا كان العلم به من جهة العلم بوجوده فالتمسّك به لا بالوجود ، من قبيل ما اشتهر في الظرافات أنّ رجلا من المتظرّفين هيّأ مجمعا من الرجال وقال : إنّي أعددت لكم دواء نافعا جدّا لأجل البراغيث أمنّ عليكم ببيعه ، فبعد ما اشتروه منه بالالتماس والمنّة سألوه عن كيفيّة حاله وطريق استعماله ، فقال : طريقه أن يؤخذ البرغوث ويذرّ هذا في عينه حتّى يصير أعمى ، فقالوا : إذا أخذنا البرغوث فلم لم نقتله ونستريح من هذه الزحمة ؟ قال :
هذا أيضا يكون . فتفطّن .
والعجب من المحشّين أنّه لم يتفطّن أحد منهم بذلك .
قوله [ في ص 27 ] : الاطّلاع على البراهين المتعدّدة .
وقد ذكروا لإثبات الواجب بهر برهانه براهينا كثيرة جدّا ، ولقد رأينا الأولى عدم التعرّض لذكرها ، إذ في ما ذكر ما يغني اللبيب ، على أنّ الظاهر أنّ أصل معرفة وجود إله العالم فطريّة لكلّ أحد بلا احتياج إلى البرهان ولا منكر له بالقلب والجنان ، بل لو كان فبمجرّد اللسان ، كما يظهر من حكاية الزنديق وما جرى بينه وبين الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام وغيرها ممّا نقل في هذا الباب . ( 71 ) ثمّ بعد ذلك لعلّ شهادة الذوق والوجدان بوجوب كونه واجبا بالذات