إلّا إثبات الواجب لذاته ، سواء كان أمرا معيّنا أو مبهما ، وما ذكرتم لا ينافي ما قصدنا ، إذ قد اعترفتم بوجود الواجب ، لكن جوّزتم كونه أمرا مبهما ، ولا كلام لنا فيه في هذا المقام ، بل إنّما يظهر بطلان ذلك في ما بعد ، حيث يبطل كون الواجب الوجود أمرا كلّيا ، ويثبت أنّه ذات معيّن لا تكثّر فيه بوجه من الوجوه ، فتأمّل .
أو بأن يدّعى البداهة في أنّه إذا لم يكن خصوص شيء من الموجودات واجبا لذاته لا يكون أحدها أيضا كذلك ، ويقال : إنّ ما ذكرتم لاستيناس ذلك في التنوير مغلطة قطعا ( 66 ) ، كيف وظاهر أنّ أحدهما أمر اعتباري إنّما ينتزع من طرفيه ، فلا يعقل كونه واجبا لذاته ، سيّما إذا لم يكن شيء منهما واجبا ، بل محتاجا إلى العلّة .
والحقّ في رفعها منع كون ارتفاع النقيضين ممتنعا لذاته ( 67 ) ، بل لعلّ امتناعه نشأ من العلّة ، حيث يوجد البتّة ، أمّا علّة الوجود فيجب الوجود ، وأمّا علّة العدم فيجب العدم ، فامتنع ارتفاعهما . هذا وفي النفس بعد شيء . ( 68 ) واللّه يعلم دقائق الأمور .
قوله [ في ص 27 ] : وهو أن يعتبر مجرّد الإمكان الوقوعي .
المراد بالإمكان الوقوعي هو كون الشيء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال ( 69 ) ، ولا يخفى أنّ البراهين المذكورة كلّها كان بناؤها على وجود موجود ، والفرض هاهنا أنّه بدون التمسّك بذلك ، بل بمجرّد دعوى الإمكان الوقوعي للممكن يجري البراهين ، إذ نقول : لا شكّ في إمكان وجود ممكن إمكانا وقوعيّا ( 70 ) ، ولولا واجب الوجود لم يمكن ذلك ، إذ لو فرض وجوده يلزم الدور ، إذ تحقّق موجود ما على هذا التقدير يتوقّف على إيجاد ما وبالعكس .