شرح
ولك أن تقول : إنّ روايات دوران النجاسة على التغيّر « 1 » التي تقتضي عدم الانفعال بمجرّد الملاقاة ولو مع القلّة ، مقيّدة بمفهوم روايات اعتصام الكرّ ، « 2 » وهو انفعال ما دون الكرّ وعدم اعتصامه ، حيث إنّ المراد من النجاسة فيها ( روايات الكرّ ) هي الحاصلة بالملاقاة لا بالتغيّر ، وإلّا فالكرّ - أيضا - ينجّسه النجس الموجب لتغيّره في أحد أوصافه ، فلا معنى حينئذ للقول بأنّه : « إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء » ، وعلى هذا ، يكون مفهوم الشرط نجاسة ما دون الكرّ بالملاقاة ، فيقيّد إطلاق روايات التغيّر بمفهوم روايات الكرّ ، إذ مقتضى الإطلاق عدم نجاسة الماء مطلقا ولو كان قليلا ، إلّا بالتغيّر فقط ، ومقتضى مفهوم أخبار الكرّ ، انفعال القليل بمجرّد الملاقاة ولو لم يحصل التغيّر . والنسبة بين تلك المطلقات بعد تقييدها بمفهوم أخبار الكرّ ، وبين الأخبار الكثيرة الدالّة على انفعال القليل بمجرّد الملاقاة من وقوع قطرة دم فيه أو ولوغ الكلب أو إصابة اليد القذرة وغير ذلك ممّا لا يوجب التغيّر ، تنقلب من الإطلاق والتقييد إلى التباين « 3 » لأنّ الباقي تحت تلك المطلقات هو خصوص الماء الكثير في قبال القليل في هذه الأخبار ( أخبار وقوع القطرة وولوغ الكلب ونحوهما ) .
ومثل هذه الأخبار استدلالا وجوابا ، روايات مياه الطرق الدالّة على عدم انفعالها بلا تعرّض للتغيّر ، كرواية عثمان بن زياد قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : أكون في السفر فآتى الماء النقيع ويدي قذرة فأغمسها في الماء ؟ قال : لا بأس » « 4 » .
هامش
( 1 ) هذا بناء على مبنى انقلاب النسبة ، ولكنّ التحقيق عدم صحة الانقلاب .
( 2 ) إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء .
( 3 ) لتباين موضوعهما ؛ إذ موضوع المطلقات بعد التقييد بالمفهوم هو الكثير ، وموضوع الانفعال هو القليل . ولا يخفى عليك أنّ التباين في المقام بمعناه اللّغوي لا المنطقي ، فتأمّل .
( 4 ) وسائل الشيعة : ج 1 ، كتاب الطهارة ، الباب 9 من أبواب الماء المطلق ، الحديث 16 ، -