تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح البصيرة في فقه الشريعة — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
شرح
وبالجملة : ليس الكلام في الجاري من ناحية معناه اللغوي الأعم من ذي مادّة ونبع وغيره ، بل الكلام في الجاري المقابل للأقسام الأخرى من المياه ، فلا محيص إذا من اعتبار النبع فيه . وأمّا الثاني ، أعني : الجريان والسيلان ، فلتبادره من إطلاق الجاري ، والمتبادر منه هو الجريان الفعلي ، فلا يكفي مجرّد اقتضاء الجريان والاستعداد له ، بحيث يجري لولا المانع ، كارتفاع الأطراف في العيون والآبار . وعليه : فروايات الماء الجاري منصرفة إلى ما يكون جاريا بالفعل ، فالنابع الواقف لا يكون من أقسام الجاري . هذا كلّه في بيان مسلك المشهور وسنده . والتحقيق : هو التفصيل بين الجريان وقتا ما بلا استمرار ودوام ، كالمنصب من الكوز ، أو الإبريق أو نحوهما ، فمثله لا يكون ماء جاريا عرفا ، نعم ، هو جار وسائل لغة ، وبين الجريان والسيلان الدائم المستمر كالمنحدرات عن الجبال الراسيات بذوبان الثلوج المتراكمات تدريجا ، مثل كثير من الشطوط والأنهار الصغار والكبار ، كالشطين المعروفين : دجلة والفرات ، فمثل ذلك يكون ماء جاريا بالضرورة ولو لم يكن له نبع ومادّة ، فلا يعتبر في صدق عنوان الجاري النبع من الأرض ، بل يصدق على ما له مادّة طبيعيّة من الثلوج أو غيرها ، فالنهر الجاري من البحر ماء جار ، مادّته هي البحر ، ومن الواضح ، عدم وجود نبع هنا ، ولعلّ ابن أبي عقيل قدّس سرّه يريد هذا الثاني ؛ إذ من البعيد جدّا أن يكون مراده مطلق الجريان ولو بالإنصباب من الكوز ونحوه . وهل يعتبر في صدق عنوان الجاري الدفع والفوران ، أو يكفي مطلق الجريان ، ولو رشحا ؟ وجهان ، بل قولان ؛ ستأتي الإشارة إليهما في آخر المسألة . هذا كلّه في البحث الموضوعىّ .