هذا محصّل المقال فيما يرجع إلى البحث الروائي عن المسألة .
وأما المقام الثاني ففي البحث العقلي
إنّ من الأصول الموضوعة المفروغ عن بيانها في صناعة الأصول هو عدم حجّيّة ما يخالف العقل الصريح والبرهان الناصّ ، بل لا بدّ من طرده لولا تأويله .
فعليه : لا يمكن الجمع في المقام بين صحّة صلاة الجاهل الّذي جهر بها في موضع إخفاتها أو العكس وعدم لزوم إعادتها بعد العلم وبقاء الوقت وبين استحقاقه العقاب ، إذ المؤاخذة إنّما هي على تفويت الواجب المشتمل على الملاك ، وحيث إنّه لا فوت له مع بقاء الوقت وإمكان الإدراك ، فلم يحكم بعدم إمكان الجبران مع الحكم باستحقاق العقوبة ؟ فلا بدّ من طرح ما يدلّ على ذلك لولا تأويله بما لا ينافي العقل .
فلو أريد الذبّ عن الصحّة بأنّ شرطيّة الجهر والإخفات في مواضعهما متوقّفة على العلم بها فهو كرّ على محذور عقلي فرّ ممّا هو مثله في الامتناع ، إلّا أن تتوقّف الشرطيّة على العلم بالوجوب التكليفي ، بأن يكون العلم بحكم تكليفي شرطا لثبوت حكم وضعي ، إذ لا محذور حينئذ .
ولو لم يكن لشرطيّة ذينك الوصفين قيد أصلا لزم الحكم بالبطلان في جميع صور الفقدان أداء لحقّ الشرطيّة المقتضية لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، مع اتّفاق النصّ والفتوى على الصحّة في كثير منها ، كما مرّ . فلم يمكن شيء من التقييد والإطلاق في شرطيّة ذينك الوصفين .
وهاهنا تصوير ثالث لا يخلو أيضا عن النقاش ، وهو أنّه وإن كانت الشرطيّة مطلقة ولازمها البطلان إلّا أنّ الشارع تقبّل الفاقد بمنزلة الواجد .
فيرد عليه : أنّه لا وجه حينئذ لاستحقاق العقاب في بعض الصور .