تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في شرح العروة الوثقى ( طبع جديد ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
شرح
مِنَ السَّماءِ ماءً »، فإنّ الآية بصدد التنبيه على حادثةٍ اعتياديةٍ يراها الإنسان في حياته ، وهي نزول المطر وما يترتّب عليه من آثارٍ تدلّ على الحكمة والتدبير . وأمّا الآية الثالثة فليس فيها إطلاق ، بل هي إخبار عن إنزال ماءٍ من السماء بقدر ، وكلمة « ماء » نكرة في سياق الإثبات فلا يمكن التمسّك بإطلاقها لإثبات أنّ جميع المياه نازلة من السماء . ودعوى : أنّ التهديد في ذيل الآية المستفاد من قوله تعالى :« وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ »يدلّ على إرادة مطلق الماء ، لا خصوص ماء المطر ؛ لأنّ الذهاب بماء المطر وحده لا يوجب بلاءً ؛ لإمكان اكتفاء الناس بسائر المياه مدفوعة : بأنّ إرادة ماء المطر - وحده - كافية في صحة التهديد ؛ لأنّ لماء المطر آثاراً عظيمةً في حياة الإنسان وزراعته ، لا يمكن الحفاظ عليها بدونه . هذا ، مضافاً إلى أن قرينة التهديد لا توجب إثبات الإطلاق ، بل كون النازل من السماء مقداراً يصحّ التهديد بذهابه ، وهذا لا يكفي لإثبات أنّ جميع المياه - حتّى ماء البحر مثلًا - نازل من السماء ؛ لأنّنا إذا افترضنا أنّ المقصود بالماء المتوعّد بذهابه هو غير ماء البحر من بقية المياه - مثلًا - لكفى ذلك في صدق التهديد ، فلا يمكن جعل التهديد قرينةً على الإطلاق . على أننّا يمكننا أن نفرض تبخير ماءٍ ، وصيرورة البخار ماءً ، فإن سلَّمنا أنّ الماء الأوّل كان نازلًا من السماء لا نسلِّم كون الماء المستحيل إليه البخار عين الماء الأوّل ، بل يُعدّ ماءً جديداً وليس نازلًا من السماء ، فلا يشمله الإطلاق . ولهذا فإنّ نفس من يستدلّ بقوله تعالى :« وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً »يعترف بأنّ الماء النجس يستحيل بالتبخير ، ويكون الماء الحاصل من بخاره طاهراً . الرابع : أنّ الطهوريّة المستفادة من الآية إنّما هي ثابتة لماء المطر بما هو ماء ، بقطع النظر عن مطريّته وإنزاله من السماء ، فإنّها جعلت صفةً للماء الذي جعل