تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في شرح العروة الوثقى ( طبع جديد ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
شرح
الكرِّ قد فني وانعدم لقلّته وضآلته عهدتها على مدّعيها ، ولا يمكن التسليم بها ، بل إنّ العرف يرى أنّ ذات المضاف لا يزال محفوظاً في الكرّ ، وإنّما المستهلَك صفة الإضافة فيه لا ذاته ، ومجرّد كونه قليلًا جدّاً بالنسبة إلى الكرِّ لا يصحِّح كونه منعدماً وفانياً في النظر العرفي . وقولنا : « إنّ المضاف القليل الملقى في الكرّ يستهلك فيه » وإن كان قولًا صحيحاً في نظر العرف ولكنّ العرف لا يعنون بذلك أنّ ذات المضاف قد انعدم انعداماً مطلقاً ، إذ فرق بين أن نقول : « إنّ المضاف الملقى منعدم ومستهلك » وبين أن نقول : « إنّه منعدم ومستهلك في الكرّ » بحيث يجعل الكرّ ظرفاً للانعدام والاستهلاك . وما يراه العرف صحيحاً إنّما هو الثاني لا الأوّل ، ويَعنُونَ بالاستهلاك في الكرّ : تحوّل خصائصه وصفاته إلى نفس خصائص الكرّ وصفاته ، ولهذا يجعل الكرّ ظرفاً لهذا الاستهلاك ، لا أنّه انعدم ذاتاً . والشاهد على أنّ المنعدم في النظر العرفيّ هو الصفة لا الذات : أنّا لو فرضنا أنّ القليل الملقى كان متّحداً في الصفة مع الكثير الملقى عليه ، بأن نفرض أنّنا بدلًا عن إلقاء « ربع كيلو » من ماء الرمّان في ماءٍ مطلق كثيرٍ ألقينا « ربع كيلو » من الماء المطلق في ماءٍ مطلقٍ كثير ، أو « ربع كيلو » من ماء الورد في ماء الورد الكثير فهل يقال باستهلاك القليل الملقى ، أوْ لا ؟ فإن قيل بعدم استهلاكه فهذا منبِّه على أنّنا حينما نلقي « ربع كيلو » من ماءالرمّان في ماءٍ مطلقٍ كثيرٍ لا يستهلك إلّاصفةً ، إذ لو كانت الذات تستهلك لقلّتها لم يكن فرق في استهلاكها بين ما إذا كانت من جنس الملقى فيه ، أو من غيرجنسه . وإن قيل بأنّ القليل الملقى في كثيرٍ من جنسه يستهلك ذاتاً أيضاً فهذا خلاف الوجدان العرفي ، ويمكن الإتيان بمنبّهاتٍ على هذا الوجدان .