ومن أهمّ ما ينبغي رعايته في هذا السفر : احتسابه من سفر آخرته بالمحافظة على تصحيح النيّة ، وإخلاص السريرة ، وأداء حقيقة القربة ، والتجنّب عن الرياء ، والتجرّد عن حبّ المدح والثناء ، وأن لا يجعل سفره هذا على ما عليه كثير من مترفي عصرنا : من جعله وسيلة للرفعة والافتخار ، بل وصلة إلى التجارة والانتشار ومشاهدة البلدان وتصفّح الأمصار .
وأن يراعي أسراره الخفيّة ودقائقه الجليّة ، كما يفصح عن ذلك ما أشار إليه بعض الأعلام : من أن الله تعالى سنّ الحجّ ووضعه على عباده إظهاراً لجلاله وكبريائه ، وعلوّ شأنه وعظم سلطانه ، وإعلاناً لرقّ الناس وعبوديتّهم ، وذلّهم واستكانتهم ، وقد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم ، والملّاك لمماليكهم : يستذلّونهم بالوقوف على باب بعد باب ، واللبث في حجاب بعد حجاب ، وأن الله تعالى قد شرّف البيت الحرام وأضافه إلى نفسه ، واصطفاه لقدسه ، وجعله قياماً للعباد ، ومقصداً يؤمّ من جميع البلاد ، وجعل ما حوله حرماً ، وجعل الحرم آمناً ، وجعل فيه ميداناً ومجالًا ، وجعل له في الحلّ شبيهاً ومثالًا ، فوضعه على مثال حضرة الملوك والسلاطين ، ثمّ أذّن في الناس بالحجّ ليأتوه رجالًا وركباناً من كلّ فجّ ، وأمرهم بالإحرام وتغيير الهيئة واللباس ، شعثاً غبراً ، متواضعين مستكينين ، رافعين أصواتهم بالتلبية ، وإجابة الدعوة ، حتى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول ، وأوقفهم في حجبه يدعونه ويتضرّعون إليه ، حتى إذا طال تضرّعهم واستكانتهم ، ورجموا شياطينهم بجمارهم ، وخلعوا
العروة الوثقى ( مع حاشية السيد صادق الشيرازى ) — صفحة 539
مساهمون: السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
ص٥٣٩