أحدهما : أنا شاهدنا لو سامتت بعض المواضع أحرقتها ، كالبلاد الجنوبية ، وإذا بعدت عنها جدا ، كأقصى الشمال بردت جدا ، ولم يتولد منها نبات ولا حيوان ، لا جرم قالوا : إنها نحس بالمقابلة والمقارنة ، كأنهم شبهوا مقارنتها للكواكب بمسامتتها للمواضع التي يهلك حيوانها ونباتها من شدة الحر ، وشبهوا مقابلتها لغاية بعدها عن المواضع التي يهلك حيوانها ونباتها من شدة البرد ، وزعموا أنها سعد من التثليث والتسديس ، تشبيها لها بين الحالتين بالمساكن المعتدلة .
فإن قيل : فما ذكرتم يقتضي أن يقول القوم إنها نحس مع التربيع ؟ .
قلنا : سنبيّن إن شاء اللّه تعالى في الأبواب الآتية ، أنه لم صار نظر التربيع نحسا ونظر التثليث سعدا .
الوجه الثاني : أن الشمس كالسلطان العظيم الذي يكون القرب منه خطر ، أو يكون غاية البعد منه سببا للحرمان ، وأما نظره : فإنه يكون سعدا ، وأما القمر : فلما كان هو أقوى الكواكب تأثيرا في هذا العالم بعد الشمس ، لا جرم أجروه مجرى الشمس في السعادة والنحوسة .
وأما عطارد : فهو مع السعود سعد ، ومع النحوس نحس ، ويدل عليه وجهان :
الأول : أن الشيء الذي يكون مختلف الأحوال في اقتضاء الآثار ، لا بد وأن تكون ماهيته مستقلة باقتضاء الآثار ، ولما اختلف الاقتضاء ، لأن الأثر يدوم مع دوام المؤثر .
فلما وجدوا عطارد مختلف التأثيرات ، علموا أن طبيعته غير مستقلة باقتضاء الآثار . ولما رأوا أنه متى كان عطارد مع كوكب ؛ فإنه يقوى تأثير ذلك الكوكب ، علموا أن طبيعته قابلة للأثر من الكواكب ، فلا جرم قالوا إنه مع السعود سعد ، ومع النحوس نحس .
الوجه الثاني : أنه لغاية صغره ، لا يقوى على الإسخان ، ولا على التبريد ،
كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية — صفحة 148
مساهمون: عمر بن مسعود بن ساعد المنذري
ص١٤٨