الباب الحادي عشر فيما يذكر من ألوان كسوف الشمس
إن أصحاب أحكام النجوم إلّا القليل منهم قد اعتقدوا في الرأس والذنب المختصين بالقمر من بين رؤوس جوزهرات الكواكب مثل ما نسبوا إلى الكواكب من الطبائع والسعادة والنحوسة والنقصان من العطايا والزيادة ، ثم تبعتها فيها دلالات الألوان والطعوم والروائح وسائر الأعراض ، ولما زعموا أن الرأس سعد وصفوه أيضا بالبياض والذنب بضدهما ، ثم تجاوزوا في ذلك صناعتهم وقالوا إن كسوف الشمس إذا كان بالرأس كان مغيرا إلى البياض وإذا كان بالذنب كان حالك السواد ، ولم تشهد لذلك تجربة حتى تطلب له علة بل تساويا في الكسوف الكائن بقدر واحد ، وإنما يختلف لونه بحسب مقاديره المغالبة لمقادير الضياء ولما يكون من ارتفاعه وانحطاطه بسبب المتوسطات التي تعظمه وتصغره والتي تتفق من قيام وغيره حادثة أو أمثال ذلك مما تغير لون المبصر ، ثم هو وإن كان القمر فله كما ذكرنا في الكسوف التام لونا أشهب فليس بمدرك فيه في كسوف الشمس لأن ضياءها يخفيه كما يخفيه في كسوف القمر غير التام ، وأما ذوات الأذناب التي يقال أنها ترى حول الشمس المنكسفة .
وقد اتضح من العلم الطبيعي أنها دخانيات ترتقي إلى حيث تلتهب في الهواء الحار المجاور للنار ، وممكن أن تختصّ الشمس بإثارة الدخانيات فينضوي إليه كما اختص القمر بتهييج الرطوبات حتى كان من مسامتته إياها واقترابه منها ما هو مشهور في البحار ثم النبات والحيوان ، واللّه تعالى أعلم بحقيقة أمثال هذه الأشياء !