ولم يطلع على شيء من أمر ذلك القاضي ؛ وهمّ بالانصراف ؛ إذا هو برجلين قد اختصما إليه ؛ فادعى أحدهما ؛ فقال :
" أيها القاضي إني اشتريت من هذا دارا عمرتها ؛ ووجدت فيها كنزا ؛ وإني دعوته إلى أخذه ؛ فأبى علي " . فقال له القاضي : " ما تقول ؟ " .
قال : " ما دفنت ؛ وما علمت به فليس هو لي ؛ ولا أقبضه منه " .
قال المدعي : " أيها القاضي ! مر من يقبضه ؛ فتضعه حيث أحببت " .
فقال القاضي : " تفر من الشر ؛ وتدخلني فيه ما أنصفتني ؛ وما أظن هذا في قضاء الملك " .
فقال القاضي : " هل لكما أمر أنصف مما دعوتماني إليه ؟ " .
قالا : " نعم " . قال للمدعي : " ألك ابن ؟ " قال : " نعم " .
وقال للآخر : " ألك ابنة ؟ " قال : " نعم " .
قال : اذهبا ؛ فزوج ابنتك من ابن هذا ؛ وجهزهما من هذا المال ؛ وادفعا فضل ما بقي إليهما يعيشان به ؛ فتكونا مليا بخيره وشره " .
فعجب ذو القرنين حين سمع ذلك ؛ ثم قال للقاضي :
" ما ظننت أن في الأرض أحدا يفعل مثل هذا ؛ أو قاضيا يقضي بمثل هذا ! " فقال القاضي - وهو لا يعرفه - :
" وهل أحد يفعل غير هذا ؟ " قال ذو القرنين : " نعم " .
قال القاضي : " فهل يمطرون في بلادهم ؟ " .
فعجب ذو القرنين من ذلك ؛ وقال : " بمثل هذا قامت السماوات والأرض " .
( 11 ) خذوا العطاء ما كان عطاء :
وأخرج عبد بن حميد عن معاذ بن جبل قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
" خذوا العطاء ما كان عطاء ، فإذا كان رشوة عن دينكم ، فلا تأخذوه ، ولن تتركوه يمنعكم من ذلك الفقر والمخافة .