وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ
« 1 » فنسبه بأمه وحدها إلى خليله إبراهيم كما نسب داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون بآبائهم وأمهاتهم فضيلة لعيسى ومنزلة رفيعة بأمه وحدها ، وذلك قوله تعالى في قصة مريم :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
« 2 » بالمسيح من غير بشر ، وكذلك اصطفى ربنا فاطمة عليها السلام وطهرها وفضلها على نساء العالمين بالحسن وبالحسين سيدي شباب أهل الجنة .
فقال له هارون وقد اضطرب وساءه ما سمع : من أين قلتم : الانسان يدخله الفساد من قبل النساء ومن قبل الآباء لحال الخمس الذي لم يدفع إلى أهله ؟
فقال موسى عليه السّلام : هذه مسألة ما سأل عنها أحد من السلاطين غيرك أمير المؤمنين ولا تيم ولا عدي ولا بنو أمية ، ولا سئل عنها أحد من آبائي فلا تكشفني عنها .
قال : فإن الزندقة قد كثرت في الإسلام ، وهؤلاء الزنادقة الذين يرفعون إلينا في الأخبار هم المنسوبون إليكم ، فما الزنديق عندكم أهل البيت ؟
فقال عليه السّلام : الزنديق هو الراد على اللّه وعلى رسوله ، وهم الذين يحادون اللّه ورسوله .
قال اللّه :
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
« 3 » إلى آخر الآية ، وهم الملحدون عدلوا عن التوحيد إلى الإلحاد .
فقال هارون : أخبرني عن أول من ألحد وتزندق ؟
فقال موسى عليه السّلام : أول من ألحد وتزندق في السماء إبليس اللعين ، فاستكبر وافتخر على صفي اللّه ونجيه آدم ، فقال اللعين :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
« 4 » فعتا عن أمر ربه وألحد فتوارث الإلحاد ذريته إلى أن تقوم الساعة .
فقال : ولإبليس ذرية ؟
فقال : نعم ، ألم تسمع إلى قول اللّه :
إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا * ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
« 5 » لأنهم يضلون ذرية آدم بزخارفهم وكذبهم ، ويشهدون أن لا إله إلا اللّه كما وصفهم اللّه في قوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
« 6 » أي أنهم لا يقولون ذلك إلا تلقينا
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 48 - 58 .
( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 42 .
( 3 ) سورة المجادلة ، الآية : 22 .
( 4 ) سورة الأعراف ، الآية : 12 .
( 5 ) سورة الكهف ، الآية : 50 - 51 .
( 6 ) سورة العنكبوت ، الآية : 63 .