إفادته وفيض نوره ، واللّه تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالا كليّا ، وينظر إليها نظرا إلهيا ويتخذ منها لوحا ، ومن النفس الكلي قلما وينقش فيها جميع علومه ، ويصير العقل الكلّي كالمعلّم والنفس القدسية كالمتعلّم ، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس ، وينتقش فيها جميع الصور ، من غير تعلّم وتفكّر ، ومصداق هذا قوله تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
« 1 » .
إلى آخر كلامه ، ويأتي بعضه في الفرق بين العلم اللدني والحصولي .
وروي عن قتادة في قوله تعالى :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
قال : « علّمه اللّه بيان الدنيا والآخرة » « 2 » .
وعن الضحاك قال : « علّمه الخير والشرّ » « 3 » .
وقال العلّامة الطباطبائي :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
ليس هو الذي علّمه بوحي الكتاب والحكمة فقط ، فإنّ مورد الآية قضاء النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الحوادث الواقعة والدعاوي التي ترفع إليه برأيه الخاص ، وليس ذلك من الكتاب والحكمة بشيء ، وان كان متوقفا عليهما ، بل رأيه ونظره الخاص به .
ومن هنا إنّ المراد بالإنزال والتعليم في قوله :
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
: نوعان اثنان من العلم :
أحدهما التعليم بالوحي ونزول الروح الأمين على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
والآخر : التعليم بنوع من الإلقاء في القلب والإلهام الخفي الإلهي ، من غير إنزال الملك .
وهذا هو الذي تؤيّده الروايات الواردة في علم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وعلى هذا ، فالمراد بقوله :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
اتاك نوعا من العلم لو لم يؤتك إيّاه من لدنه لم يكفك في إتيانه الأسباب العادية ، التي تعلّم الإنسان ما يكتسبه من العلوم ) انتهى « 4 » .
* أقول : ظاهر كلامه أنّ إيتاء الكتاب والحكمة بواسطة الوحي الخاص ( جبرائيل ) إيتاء كسبي غير لدني ، وإنّ علم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مصدره شيئان :
1 - الوحي بالكتاب والحكمة .
2 - الإلهام أو القذف بالقلب .
هامش
( 1 ) مجموعة رسائل الغزالي - الرسالة اللدنية : 3 / 69 .
( 2 ) تفسير الدر المنثور : 2 / 220 مورد الآية .
( 3 ) تفسير الدر المنثور : 2 / 220 مورد الآية .
( 4 ) تفسير الميزان : 5 / 79 - 80 مورد الآية .