والحضوري هو العلم الذي هو عين المعلوم لا صورته ونقشه ، كعلم المجرّد بذاته ، أو بمعلوله كعلم الحق تعالى بمعلولاته عند المحققين ، وليس بتصور ولا بتصديق لأنّ مقسمهما العلم الحصولي ) « 1 » .
وقال العلّامة الطباطبائي : ( وللرواية « من عرف نفسه عرف ربّه » معنى آخر أدق مستخرج من نتائج الأبحاث الحقيقية في علم النفس ، وهو أنّ النظر في الآيات الآفاقية والمعرفة الحاصلة من ذلك نظر فكري وعلم حصولي ، بخلاف النظر في النفس وقواها وأطوار وجودها والمعرفة المتجلية منها فانّه نظر شهودي وعلم حضوري .
والتصديق الفكري يحتاج في تحقّقه إلى نظم الأقيسة واستعمال البرهان ، وهو باق ما دام الإنسان متوجّها إلى مقدّماته غير ذاهل عنها ولا مشتغل بغيرها ، ولذلك يزول العلم بزوال الاشراف على دليله وتكثر فيه الشبهات ويثور فيه الاختلاف .
وهذا بخلاف العلم النفساني بالنفس وقواها وأطوار وجودها فإنّه من العيان ، فإذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آيات نفسه وشاهد فقرها إلى ربّها وحاجتها في جميع أطوار وجودها وجد أمرا عجيبا ، وجد نفسه متعلّقة بالعظمة ، والكبرياء متصلة في وجودها وحياتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصرها وإرادتها وحبّها وسائر صفاتها وأفعالها ، بما لا يناهى بهاء وسناء وجمالا وجلالا وكمالا من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغيرها من كل كمال ) « 2 » .
وقال صدر المتألهين في شرح أصول الكافي ( شرح الحديث العاشر ) :
( إعلم أنّ العلم بالأشياء الجزئية على وجهين :
أحدهما : أن يعلم الأشياء من الأشياء ، بحسّ أو تجربة أو سماع خبر أو شهادة أو اجتهاد ، ومثل هذا العلم لا يكون إلّا متغيّرا فاسدا محصورا متناهيا غير محيط ، فإنّه يلزم أنّ يعلم في زمان وجودها علما ، وقبل وجودها علما آخر ، ثم بعده علما آخر .
فإذا سئل العالم بهذا العلم عن حادث ما ، كالكسوف مثلا حين وجوده يجيب بجواب فيقول مثلا : انكسفت الشمس ، وإذا سئل عنه قبل حدوثه يجيب بجواب آخر فيقول : سيكون الكسوف ، ثم إذا سئل بعده فيقول : قد كان الكسوف . فعلمه بشيء واحد تارة كان وتارة كائن وتارة سيكون ، فيتغيّر علمه .
ومثل هذا العلم الإنفعالي متغيّر فاسد ليس بيقين إذ العلم اليقيني ما لا يتغيّر أصلا .
وثانيهما : أن لا يعلم الأشياء من الأشياء ؛ بل يعلم بمبادئها وأسبابها ، فيعلم أوائل الوجود
هامش
( 1 ) عيون مسائل النفس : 519 .
( 2 ) تفسير الميزان : 6 / 171 - 172 مورد آية 105 من المائدة - البحث الروائي .