يعزّونني ويقولون : يا أبا الحسن أبشر فقد أقرّ اللّه عينك يوم يقوم الناس لربّ العالمين .
ثمّ انتبهت والذي نفس عليّ بيده لقد حدّثني أبو القاسم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي وهذه أرض كرب وبلاء يدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلا من ولدي وولد فاطمة وانّها في السماوات معروفة تذكر أرض كرب وبلاء ، يا بن عبّاس أطلب في حولها بعر الظباء وهي مصفرّة لونها لون الزعفران فطلبتها فوجدتها مجتمعة فناديته قد أصبتها فقام إليها فشمّها وقال : هي هي بعينها هذه الأبعار قد شمّها عيسى ، وذلك إنّه مرّ بها ومعه الحواريّون فرأى هاهنا الظبا مجتمعة وهي تبكي فجلس وبكى مع الحواريّين فقالوا ؛ يا روح اللّه ما يبكيك ؟
قال : هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول وفرخ الحرّة الطاهرة شبيهة أمّي وهذه الظبا تكلّمني وتقول : إنّها ترعى في هذه الأرض شوقا إلى تربة الفرخ المبارك وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض ثمّ ضرب بيده إلى هذه البعر فشمّها وقال : هذه بعر الظباء على هذا الطيب لمكان حشيشها ، اللّهمّ فابقها حتّى يشمّها أبوه فنكون له عزاء وسلوة ، قال : فبقيت إلى يوم الناس هذا وقد اصفرّت لطول زمنها وهذه أرض كرب وبلاء .
ثمّ قال : يا ربّ عيسى لا تبارك في قتله ثمّ بكى بكاء طويلا حتّى سقط لوجهه وغشي عليه ، ثمّ أفاق فأخذ البعر فصرّه في ردائه وأمرني أن أصرّها كذلك ثمّ قال : يا بن عبّاس إذا رأيتها ننفجر دما عبيطا ويسيل منها دم عبيط ، فاعلم أنّ أبا عبد اللّه قد قتل بها ودفن .
قال ابن عبّاس : فكنت أحافظ عليها ولا أحلّها من طرف كمي فبينما أنا نائم في البيت إذ انتبهت فإذا هي تسيل دما عبيطا فجلست وأنا باك وقلت : قد قتل واللّه الحسين فخرجت عند الفجر فرأيت المدينة كأنّها ضباب لا يستبين منها أثر عين ثمّ طلعت الشمس كأنّها منكسفة وكأنّ حيطان المدينة عليها دم عبيط ، فبكيت وسمعت صوتا من ناحية البيت وهو يقول :
أصبروا آل الرسول * قتل الفرخ الفحول
نزل الروح الأمين * ببكاء وعويل
فأثبت عندي تلك الساعة وكان شهر المحرّم يوم عاشوراء فوجدته قبل ذلك اليوم ، فحدّثت بهذا الحديث أولئك الذين كانوا معه فقالوا : واللّه لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة ولا ندري ما هو فكنّا نرى أنّه الخضر عليه السّلام .
وعن عبد اللّه بن نجيّ ، عن أبيه أنه سافر مع علي بن أبي طالب - وكان صاحب مطهرته - فلما حاذوا نينوى - وهو منطلق إلى صفّين - نادى علي : صبرا أبا عبد اللّه صبرا أبا عبد اللّه بشط الفرات ، قلت : ومن ذا أبو عبد اللّه قال : دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعيناه تفيضان ، فقلت : يا نبي اللّه أغضبك أحد ؟