أن هذا الأصل كان أساس كل الانتصارات .
الموضوع الآخر الذي أكدت عليه الآية أعلاه باعتباره السند الهام إلى جانب الصبر هو « الصلاة » . وروي أن عليّا عليه السّلام : « كان إذا أهاله أمر فزع قام إلى الصّلاة ثمّ تلا هذه الآية :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ . . .
» « 1 » .
ولا عجب في ذلك ، فالإنسان حين يرى نفسه أمام عواصف المشاكل المضنية ، ويحسّ بضعفه في مواجهتها ، يحتاج إلى سند قوي لا متناه يعتمد عليه . والصلاة تحقق الارتباط بهذا السند ، وتخلق الطمأنينة الروحية اللازمة لمواجهة التحديات .
فالآية أعلاه تطرح مبدأين هامّين : الأوّل - الاعتماد على الله ، ومظهره الصلاة ، والآخر - الاعتماد على النفس ، وهو الذي عبرت عنه الآية بالصبر .
وبعد ذكر الصبر والإستقامة تتحدث الآية التالية عن خلود الشهداء ، الذين يجسّدون أروع نماذج الصابرين على طريق الله .
تقول الآية :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ
ثم تؤكد هذا المفهوم ثانية بالإستدراك
بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
« 2 » .
في كل حركة - أساسا - تنزوي مجموعة محبّة للعافية ، وتبتعد عن الامّة الثائرة ، ولا تكتفي هي بالتقاعس والتكاسل ، بل تسعى إلى تثبيط عزائم الآخرين وبثّ الرخوة والتماهل في المجتمع . وما إن تظهر حادثة مؤلمة حتى يعربوا عن أسفهم وينقمون على الحركة التي أدّت إلى هذه الحادثة ، غافلين أن كل هدف مقدّس يحتاج إلى تضحيات ، وتلك سنة كونية .
القرآن الكريم يتحدث عن مثل هذه الفئة مرارا ويؤنّبهم بشدّة .
ثمة أفراد من هؤلاء كانوا يتظاهرون بالتأسف والتألم على ( موت ) شهيد من شهداء الإسلام في المعركة ، ويبعثون بذلك القلق والاضطراب في النفوس .
والله سبحانه يرد على هذه الأقاويل السامة بالكشف عن حقيقة كبرى هي إن الذين يضحون بأنفسهم في سبيل الله ليسوا بأموات . . . هؤلاء أحياء . . . ويتمتعون بنعم الله ورضوانه ، لكن البشر المحدودين في عالم الحسّ لا يدركون هذه الحقائق .
* * *
هامش
( 1 ) الكافي ، نقلا عن الميزان ، ج 1 ، ص 154 .
( 2 ) سورة البقرة : 154 .