فقال له الحسين عليه السّلام : ( يا إعرابي قد قلت فاسمع مني ) ثم إنه عليه السّلام قال أبياتا سيأتي ذكرها في الباب المختص به المعقود لمناقبه إن شاء اللّه .
فقال الأعرابي لمّا سمعها : ما رأيت كاليوم قط مثل هذا الغلام أعرب منه كلاما ، وأدرب لسانا ، وأفصح منه منطقا ، فقال له الحسن : يا أعرابي :
هذا غلام كرّم الرحمن بالتطهير جدّيه * كساه القمر القمقام من نور سنائيه
ولو عدّد طمّاح نفحنا عن عداديه * وقد أرضيت من شعري وقوّمت عروضيه
فلمّا سمع الأعرابي قول الحسن قال : بارك اللّه عليكما مثلكما نجلته الرجال ، وعن مثلكما قامت النساء ، فوالله لقد انصرفت وأنا محب لكما راض عنكما فجزاكما اللّه خيرا وانصرف « 1 » .
وفي الأمالي بإسناده إلى حبيب بن عمر قال : لمّا توفّي أمير المؤمنين عليه السّلام وكان الغد قام الحسن عليه السّلام خطيبا فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه : أيّها الناس في هذه الليلة نزل القرآن وفي هذه الليلة رفع عيسى ابن مريم وفي هذه الليلة قتل يوشع بن نون وفي هذه الليلة مات أمير المؤمنين عليه السّلام ، واللّه لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء إلى الجنّة وان كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليبعثه في السرية فيقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وما ترك صفراء ولا بيضاء إلّا سبعمائة درهم فضلت من عطائه كان يجمعها ليشتري بها خادما لأهله . وبويع عليه السّلام بعد أبيه يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان في سنة أربعين وكان عمره لمّا بويع سبعا وثلاثين سنة .
ولقد قيل لمعاوية ذات يوم : لو أمرت الحسن يخطب ليظهر للناس نقصه ، فقال له : عظنا ، فصعد المنبر وحمد اللّه وقال : أيّها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وابن سيّدة النساء ، أنا ابن خير خلق اللّه ، أنا ابن رسول اللّه ، أنا صاحب الفضائل ، أنا ابن صاحب المعجزات والدلائل ، أنا ابن أمير المؤمنين ، أنا المدفوع عن حقّي ، أنا وأخي سيّدا شباب أهل الجنّة ، أنا ابن الركن والمقام ، أنا ابن مكّة ومنى ، أنا ابن المشعر وعرفات .
فقال له معاوية : خذ في نعت الرطب ودع هذا ، فقال : الريح تنفخه والحرّ ينضجه والبرد يطيبه ثمّ عاد في كلامه فقال : أنا إمام خلق اللّه وابن محمّد رسول اللّه فخشي معاوية أن يتكلّم بعد ذلك بما يفتتن به الناس ، فقال : يا أبا محمّد إنزل فقد كفى ما جرى فنزل .
وروى أبو الحسن المدائنيّ : قال : سأل معاوية الحسن بن عليّ بعد الصلح أن يخطب الناس ، فامتنع ، فناشده أن يفعل ، فوضع له كرسيّ ، فجلس عليه ، ثم قال : الحمد للّه الذي توحّد في ملكه ، وتفرّد في ربوبيته ، يؤتي الملك من يشاء ، وينزعه عمّن يشاء . والحمد للّه الذي أكرم بنا مؤمنكم ،
هامش
( 1 ) الصراط المستقيم 2 / 172 .