فقال : يا بن العمّ إنّما هي بغاث الطير انقضّ عليها أجدل ، فأراد ابن عبّاس أن يتكلّم فأقسم عليه معاوية أن يكفّ فكفّ ثمّ خرجا .
فقال معاوية : أجاد عمرو الكلام لولا أنّ حجّته دحضت وتكلّم مروان لولا أنّه نكص .
ثمّ التفت إلى زياد وقال : ما دعاك إلى محاورته ؟ ما كنت إلا كالحجل في كفّ البازي ، فقال أفاخر رجلا رسول اللّه جدّه وهو سيّد من مضى ومن بقي وأمّه فاطمة الزّهراء السّواء ، فقال عمرو :
لقد أبقى عليك ولكنه طحن مروان طحن الرّحى بثفالها يأبى إلّا الإغراء بيننا وبينهم ، لا جرم واللّه لا شهدت مجلسا يكونان فيه إلّا كنت معهما على من فاخرهما .
فخلا ابن عبّاس بالحسن فقبّل بين عينيه وقال : أفديك يا بن عم ، واللّه ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتّى شفيتني من أولاد البغايا « 1 » .
* * *
بين الحسن وعمرو بن العاصي
وروى المدائنيّ عن زيد بن أرقم : قال : خرج الحسن عليه السّلام وهو صغير ، وعليه برده ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يخطب ، فعثر فسقط ، فقطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الخطبة ، ونزل مسرعا إليه ، وقد حمله الناس ، فتسلّمه وأخذه على كتفه ، وقال : إنّ الولد لفتنة ، لقد نزلت إليه وما أدرى ! ثم صعد فأتمّ الخطبة .
وروى المدائنيّ ، قال : لقي عمرو بن العاص الحسن عليه السّلام في الطواف ، فقال له : يا حسن ، زعمت أنّ الدين لا يقوم إلّا بك وبأبيك ، فقد رأيت اللّه أقامه بمعاوية ، فجعله راسيا بعد ميله ، وبيّنا بعد خفائه ، أفرضي اللّه بقتل عثمان ؛ أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطّحين ، عليك ثياب كغرقىء « 2 » البيض ، وأنت قاتل عثمان ، وللّه إنه لألمّ للشّعث ، وأسهل للوعث ، أن يوردك معاوية حياض أبيك .
فقال الحسن عليه السّلام : إنّ لأهل النار علامات يعرفون بها ، إلحادا لأولياء الله ؛ وموالاة لأعداء اللّه ، واللّه إنّك لتعلم أنّ عليا لم يرتب في الدين ، ولم يشكّ في اللّه ساعة ولا طرفة عين قطّ ، وأيم اللّه لتنتهينّ يا بن أم عمرو أو لأنفذنّ حضنيك « 3 » بنوافذ أشدّ من القعضبيّة « 4 » : فإيّاك والتهجّم عليّ ،
هامش
( 1 ) صحيفة الإمام الحسن للقيومي : 300 .
( 2 ) الغرقىء : الفشرة الملترقة ببياض البيض .
( 3 ) الحضن ما دون الإبط إلى الكشح وكأنه جعل الأقضبة جمع قضيب وهو السيف الدقيق الذي ليس بصحيفة وهو أنفذ .
( 4 ) القعضبية : الأسنة ، منسوبة إلى قعضب اسم رجل كان يعمل الأسنة في الجاهلية .