فقال ابن الزبير : هو لذلك أهل ، فقال معاوية : أما إنّه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كفّ البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها .
وذكروا أنّ الحسن بن علي دخل على معاوية فقال متمثلا :
فيم الكلام وقد سبقت مبرّزا * سبق الجواد من المدى والمقيس
فقال معاوية : إيّاي تعني ؟ أما واللّه لأنبئنّك بما يعرفه قلبك ولا ينكره جلساؤك : أنا ابن بطحاء مكة ، أنا ابن أجودها جودا وأكرمها جدودا وأوفاها عهودا ، أنا ابن من ساد قريشا ناشئا وكهلا .
فقال الحسن : أجل إيّاك أعني ، أفعليّ تفتخر يا معاوية ؟ أنا ابن ماء السماء وعروق الثّرى وابن من ساد أهل الدّنيا بالحسب الثابت والشرف الفائق والقديم السابق ، أنا ابن من رضاه رضى الرّحمن وسخطه سخط الرّحمن ، فهل لك أب كأبي وقديم كقديمي ؟ فإن قلت : لا ، تغلب ، وإن قلت : نعم ، تكذب .
فقال معاوية : أقول لا تصديقا لقولك ، فقال الحسن :
الحقّ أبلج ما تخون سبيله والصدق يعرفه ذوو الألباب .
وقال معاوية ذات يوم وعنده أشراف الناس من قريش وغيرهم : أخبروني بخير الناس أبا وأمّا وعمّا وخالا وخالة وجدّا وجدّة .
فقام مالك بن العجلان فأومأ إلى الحسن فقال : ها هو ذا أبوه عليّ بن أبي طالب رضوان اللّه عليهم وأمه فاطمة بنت رسول اللّه ، وعمّه جعفر الطيّار في الجنان ، وعمّته أمّ هاني بنت أبي طالب ، وخاله القاسم بن رسول اللّه ، وخالته بنت رسول اللّه زينب ، وجدّه رسول اللّه ، وجدّته خديجة بنت خويلد .
فسكت القوم ونهض الحسن ، فأقبل عمرو بن العاص على مالك فقال : أحبّ بني هاشم حملك على أن تكلّمت بالباطل ؟ فقال ابن العجلان : ما قلت إلّا حقّا وما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق إلّا لم يعط أمنيّته في دنياه وختم له بالشفاء في آخرته ، بنو هاشم أنضرهم عودا وأوراهم زندا ، كذلك يا معاوية ؟ قال : اللهمّ نعم .
قيل : واستأذن الحسن بن علي على معاوية وعنده عبد اللّه بن جعفر وعمرو بن العاص ، فأذن له ، فلمّا أقبل قال عمرو : قد جاءكم الأفة العييّ الّذي كان بين لحييه عبلة ، فقال عبد اللّه بن جعفر :
مه فوالله لقد رمت صخرة ململمة تنحطّ عنها السيول وتقصر دونها الوعول ولا تبلغها السهام ، فإياك والحسن إيّاك ، فإنّك لا تزال راتعا في لحم رجل من قريش ولقد رميت فما برح سهمك وقدحت فما أورى زندك .
فسمع الحسن الكلام فلمّا أخذ الناس مجالسهم قال : يا معاوية لا يزال عندك عبد راتعا في