فلمّا مرضت فاطمة عليها السّلام أتاها أبو بكر وعمر عايدين واستأذنا عليها فأبت أن تأذن لهما ، فلمّا رأى ذلك أبو بكر أعطى اللّه عهدا لا يظلّه سقف بيت حتّى يدخل على فاطمة ويتراضاها فبات ليلة في الصقيع « 1 » ما أظلّه شيء ، ثمّ إنّ عمر أتى عليّا فقال : إنّ أبا بكر شيخ رقيق القلب وقد كان مع رسول اللّه في الغار فله صحبة وقد أتينا فاطمة مرارا نتراضاها فلم تأذن ، فإن رأيت أن تستأذن لنا عليها فافعل فدخل عليها عليّ عليه السّلام وقال : يا بنت رسول اللّه قد كان من أمر هذين الرجلين ما قد رأيت وقد سألاني أن أستأذن لهما عليك .
فقالت : واللّه لا آذن لهما ولا أكلّمهما كلمة من رأسي حتّى ألقى أبي فأشكوهما إليه .
قال عليّ : فإنّي ضمنت لهما ذلك .
قالت : إن كنت قد ضمنت فالبيت بيتك فأذن لمن أحببت فأذن لهما فدخلا وسلّما عليها فلم ترد عليهما وحوّلت وجهها عنهما فتحوّلا إلى الجانب الآخر وهكذا مرارا فقال أبو بكر : إنّما أتيناك نسألك أن تصفحي عنّا فالتفتت إلى عليّ فقالت : لا أكلّمهما حتّى أسألهما عن شيء سمعاه من رسول اللّه فإن صدقاني رأيت رأيي فقالا لها ذلك .
فقالت : أنشدكما باللّه هل سمعتما النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللّه ؟
قالوا : اللّهم نعم .
فقالت : اللّهم إنّي أشهدك فاشهدوا يا من حضر أنّهما قد آذياني في حياتي وعند موتي واللّه لا أكلّمهما حتّى ألقى ربّي فأشكوهما إليه فدعا أبو بكر بالويل والثبور وقال : ليت أمّي لم تلدني .
فقال عمر : عجبا للناس كيف ولّوك أمورهم وأنت شيخ قد خرفت تجزع لغضب امرأة وتفرح برضاها وقاما وخرجا ، فلما نعي إلى فاطمة نفسها قالت : يا عليّ إذا قضيت نحبي فأخرجني أيّ ساعة من ليل أو نهار ولا يحضرنّ من أعداء اللّه ورسوله للصلاة عليّ أحد ، فلمّا قضت نحبها أخذ في جهازها من ساعته في جوف اللّيل وأشعل النار في جريد النخل ومشى مع الجنازة بالنار حتّى صلّى عليها ودفنها ليلا ، فلمّا أصبح أبو بكر وعمر عادوا عايدين فاطمة فقالوا لرجل : من أين أقبلت ؟
قال : عزّيت عليّا بفاطمة فإنّها ماتت ودفنت في جوف الليل ، فجزعا ثمّ أقبلا على عليّ فقالا :
ما تركت شيئا من غوايلنا وما هذا إلّا من شيء في صدرك علينا ، وهل هذا إلّا كما غسّلت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دوننا وكما علّمت ابنك أن يصيح بأبي بكر أن انزل عن منبر أبي .
هامش
( 1 ) الصقيع : شبيه الثلج يسقط من الماء .