ثانيا : كانت فكرة البيعة قبل دفن النبي الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تنافي كون الخلافة لمرضاة اللّه أو لإقامة حكم اللّه ، وتنافي كون الخليفة ظل اللّه في الأرض .
فكانوا يريدوا أن يحرّفوا الخلافة عن مفهومها ويبدلّوها بالزعامة والملك ، التي تؤخذ بالبيعة والقوة والتهديد والرشوة !
مالوا إلى الدنيا وإلى الملك وحب الرئاسة كما عبّر الغزالي فيما تقدم .
ثالثا : لم يجد الأمير من يعينه على النهوض ، فقد مال الناس مع الهوى والسلطة الحاكمة ، فزعا أو إغراء ، أو تهديدا ، أو جهلا .
حتى روي عنه أنه لو وجد سبعة ما ترك الخلافة « 1 » .
وقد تقدم في تصريحاته أنّ علة مبايعته لأبي بكر هو خوفه من ارتداد الناس .
رابعا : أخرج الديلمي في الفردوس قول النبي الأعظم لعلي عليهما السّلام : « يا علي إنما أنت بمنزلة الكعبة تؤتا [ تؤتى ولا تأتي ] ولا يأتي فإن أتاك هؤلاء القوم فسلّموا [ فمكنوا ] لك هذا الأمر فاقبله منهم وإن لم يأتوك فلا تأتهم » « 2 » .
وأخرج ابن عساكر عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « علي كالكعبة الحج إليها فريضة » « 3 » .
وروى أبو جعفر الإسكافي عن أمير المؤمنين عليه السّلام قوله : « الحمد للّه الذي اختار محمدا منا نبيا وابتعثه إلينا رسولا ، فنحن أهل بيت النبوة ومعدن الحكمة ؛ أمان لأهل الأرض ونجاة لمن طلب ، إنّ لنا حقا إن نعطه نأخذه » « 4 » .
وفي حديث قال عليه السّلام لأبي عبيدة مبعوث الخليفة الأول : « وفي النفس كلام لولا سابق قول وسالف عهد ؛ لشفيت غيضي بخنصري وبنصري ، وخضت لجّته بأخمصي ومفرقي ، لكني ملجم إلى أن ألقى ربي . . » « 5 » .
* هذا مختصر في المقام ، ولمن أراد مزيد بيان فليرجع لما كتبه العلّامة الجزائري والسيد ابن طاووس « 6 » .
هامش
( 1 ) الهداية الكبرى : 193 .
( 2 ) الفردوس : 5 / 315 ح 8300 ط . دار الكتب العلمية و : 5 / 406 ح 8309 ط . دار الكتاب العربي ، وتنزيه الشريعة : 1 / 399 ط . مصر الأولى ، وزهر الفردوس لابن حجر : 4 / 398 ط . مصر .
( 3 ) ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق : 2 / 407 .
( 4 ) شرح النهج لابن أبي الحديد : 1 / 195 شرح الخطبة الثالثة .
( 5 ) محاضرة الأبرار 2 / 187 .
( 6 ) كشف المحجة : 180 ، والأنوار النعمانية : 1 / 102 - 107 .