مصلحة البلد ، وفي دفع شر الأعداء أتم من الانتفاع بالرجل النسيب الغني إذا لم يكن له علم بضبط المصالح ، وقدرة على دفع الأعداء فثبت بما ذكرنا أن إسناد الملك إلى العالم القادر أولى من إسناده إلى النسيب الغني « 1 » .
وقال سيد المفسرين : الغرض من الملك أن يدبر صاحبه المجتمع تدبيرا يوصل كل فرد من أفراده إلى كماله اللائق به ، ويدفع كل ما يمانع ذلك ، والذي يلزم وجوده في نيل هذا المطلوب أمران : أحدهما العلم بجميع مصالح حياة الإنسان ومفاسدها .
وثانيهما : القدرة الجسمية على إجراء ما يراه من مصالح المملكة « 2 » .
الآية الثالثة قوله تعالى : [ سورة الرعد الآية 7 ]
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
« 3 » .
وبعد ملاحضة الروايات التي تشير إلى أنّ المنذر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والهادي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ، أو أنه رجل من بني هاشم كما يأتي .
وبعد ملاحظة معنى الآية وأنها تكشف عن وجود إمام في كل قوم يهديهم إلى صراط العزيز الحميد ؛ فإنّ الهداية لا تتحقق إلّا بأمور :
أ - ان يكون الهادي عالما بجميع ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الأحكام وبمختلف مجالاتها ، وإلّا لما صدق كونه هاديا لهم على وزان إنذار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
ب - أن يقوم بتنفيذ جميع الأوامر والنواهي الشرعية بحيث لا يقع الإخلال منه بشيء منها .
ج - أن يكون مصيبا في كل أقواله وأفعاله وأوامره ، وإلّا لم يكن هاديا بل كان ضالا .
وإنّما تتم هذه الأمور إذا كان أفضل وأعلم الأمة ، لوضوح أن الجاهل ببعض الأحكام لا يستطيع أن يهدي غيره إليها ، ولو لاحتمال الإخلال في الأداء لعدم عصمته ، وقد قيل : فاقد الشيء لا يعطيه .
وآثار ذلك تتضح فيمن راجع سيرة الخلفاء وهديهم ، وكيف كان بعضهم لعدم علمه يقع في الخطأ ويوقع الأمة في الضلالة ، وسوف نوقفك على بعض نماذجها أعاذنا اللّه وإياك من الانحراف والزلل .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 6 / 173 - 174 مورد الآية .
( 2 ) تفسير الميزان : 2 / 287 مورد الآية .
( 3 ) الرعد : 7 .