ونحو هذه العبارات التي تقدمت مفصلا . وهي إمّا تدل على نص الرسول عليه عليه السّلام وإما تدل على وجوب تقدم الفاضل .
وأما قولهم أن عمر جعل الإمامة في ستة ، فأولا هو عين المتنازع فيه كما يأتي .
وثانيا : عمر لم يجعل الإمامة في ستة بل جعل ستة لاختيار الإمام الواحد ، مع ما في الشورى من تنازع وتخالف .
وقيل : من أدلة تقديمهم المفضول أن العاقدين خافوا أن يلي الفاضل عليهم فيرتد إلى الكفر قوم منهم لما في نفوسهم عليه من الأحقاد ، وما بينه وبينهم من الغوائل فوجب تأخيره وتقديم من دونه ليؤمن من وقوع هذا الحال .
وهذه من الأمور المضحكة للثكلى ؛ فهو أولا : اعتراف بوجوب تقديم الأفضل .
ثانيا : إن العلة التي امتنعوا من أجلها تقديم الفاضل هي حقدهم عليه وهذا إن صح فإنه لا بدّ أن يكون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أكثر ، فهو الذي أمر الفاضل بقتل وقتال قريش ، ولو قال العاقدون نخرج عن الإيمان إذا لم نخلع الخليفة بعد العقد له ، هل كان يجب خلعه ؟ !
ولما ذا تستنكرون على العاقدين خلع عثمان بن عفان ؟ !
وكأنهم لا يقرؤون القرآن فكم هي الشواهد كثيرة في تقديم الأفضل وإن استلزم منه ارتداد الناس والكفر بالرسل والأنبياء ، كم هي قصة هارون وموسى قريبة من ذلك ، وعلي كهارون ومحمد كموسى .
أفلم يستخلف موسى عليه السّلام هارون بأمر من اللّه تعالى مع علم اللّه تعالى - وموسى - بأنّ بني إسرائيل سوف يرتدّوا بعد استخلاف هارون ؟ !
وأين قصة داود وجالوت وقومهما ؟
فقد كره قومهما خلافة وإمارة جالوت فقالوا :
أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ .
فلم يقل اللّه سبحانه وتعالى وداود لا بدّ أن تقدّم المفضول كي لا يرتدّ الناس ، بل قدّم الفاضل وقال :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
« 1 » .
فالحكمة قاضية بتقديم الأفضل ، بل هو الأدفع لأشر الشرور ، وحكم العقل في ذلك فطري .
* الأمر الثاني : صلاة أبي بكر :
هامش
( 1 ) البقرة : 247 .