ومما يزيد الأمر إيضاحا أن نتأمل عنوان صحيح البخاري ، فإنه رحمه اللّه سمّاه :
« الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم وسننه وأيامه » وما يعنينا في هذا المقام قوله « المختصر » فإنه إشارة منه تدل على أنه - رحمه اللّه - كان يضع مختصرا ولم يقصد الاستيعاب ، ولم يلتزم إخراج كلّ ما صح من الحديث ، ولا يعكر على هذا وصفه بأنه « جامع » فإن المراد به أنه يحتوى على أحاديث في الأبواب الثمانية المعروفة إلى جانب أن العلماء الذين شرحوا أحاديث الصحيحين قاموا بشرحها في ضوء الجمع بين أحاديث المتن المشروح ، وبين الروايات الصحيحية الأخرى التي صحت في غيرهما من الكتب ، كما فعل الحافظ ابن حجر في « فتح الباري » الذي هو « قاموس السنة » حقّا ، وكذلك الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم وغيرهما من العلماء والمصنفين في الشروح ، فأين هذا من منهج « الاقتصار » القاصر الذي يستغنى تماما عن أحاديث ما سوى الصحيحين ؟
قال الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي في ألفيته :
أوّل من صنّف في الصحيح * محمد وخصّ بالترجيح
ومسلم بعد وبعض الغرب مع * أبى علىّ فضّلوا ذا لو نفع
ولم يعمّاه ولاكن قلّ ما * عند ابن الأخرم منه قد فاتهما
وردّ لكن قال يحيى البر * لم يفت الخمسة إلا النزر « 336 »
قال العراقي في شرحه :
« ولم يعماه » أي لم يعم البخاري ومسلم الصحيح ، يريد لم يستوعباه في كتابيهما ولم يلتزما ذلك ، وإلزام الدارقطني وغيره « 337 » إياهما بأحاديث ليس بلازم - قال الحاكم في خطبة « المستدرك » : ( ولم يحكما ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما خرجاه ) ا ه . ( ولكن قلّ ما عند ابن الأخرم ) أي من
هامش
( 336 ) « فتح المغيث » ( 1 / 27 ) .
( 337 ) هو أبو ذر الهروي كما في « شرح صحيح مسلم » من « توضيح الأفكار » للصنعانى ( 1 / 50 ) .