غير أني أقول : إن اجتهدنا أن نصرف الآية عما دلت عليه من وجود العلماء بالتأويل من عباده فلا نستطيع أن ندافع ما يلزم به العقل من وجوب الوجود لمثل هؤلاء العلماء ، وذلك لأن هذه الآية صرحت بان الكتاب مشتمل على المحكم والمتشابه وان في الناس زائغين يريدون اتباع المتشابه للاضلال والفتنة ويريدون التأويل حسبما يهوون ، فإذا لم يكن هناك علماء بالتأويل يعرفون المحكم منه ويصرفون الناس اليه ابتغاء هدايتهم واخراجهم من الضلالة فلا يقي اذن غير ذوي الضلالة في الناس ، فأين حجته البالغة ، واين هدايته للنجدين ، واين من يدل الناس على ضلالة أولئك الزائغة قلوبهم ، واين من يصرفهم عن اتباع أولئك الضالين .
فالآية لا صارف لها عما أشارت اليه من انّ الراسخين في العلم هم من علماء التأويل على أن الكتاب نفسه في غير هذه الآية أخبرنا عن وجود العلماء بالكتاب كما في قوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
فالرسول ( ص ) خبير بجميع ما نزل عليه وصدع به .
وكما في قوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
، وإذا لم يكن سيد الرسل وخاتمهم مرتضى للّه تعالى في اظهاره على غيبه فمن المرتضى سواه ، وان الاظهار على غيبه أعلى شأنا وأوسع دائرة من اظهاره على علم الكتاب وحده .
وكما في قوله تعالى :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
، وما علّق الإحاطة على المشيئة إلا وقد شاء إلى غير هذه من آي الكتاب .
نعم انما يكون ذلك الظهور على الغيب والإحاطة بالعلم منحة منه جل لطفه ، فلا يكون ذلك في الأنبياء والأوصياء ذاتيا وهذا بخلاف علمه تقدّس علم فان علمه سبحانه عين ذاته ، فالفرق بين العلمين ظاهر فإذا