الناظر إليها يومئذ بهذا ، هو الذي حصل به السحر في أعين الناس حيث إنهم بعد رؤيتها حبالا وعصيّا ، صارت حيّات في نظرهم ثانيا ، وأكد ذلك حركتها ، فكونها حيات في نظرهم لا بدّ من حمله على مجرد التخيّل والتوهّم ، الذي نشأ من سحرهم ولذلك قال سبحانه : « يخيل إليه من سحرهم أنّها تسعى » ولأنه لو أمكن الساحر أن يقلب حقيقة من الحقايق إلى حقيقة أخرى ، لزم مشاركته للّه تعالى في الخلق ، وهو باطل عقلا ونقلا ، ولأمكن أن يعيد نفسه من الهرم إلى الصغر ، ويدفع عن نفسه الأسقام والآلام ، والكل مما يقطع ببطلانه عند جملة الأنام 347 .
أقول : ومنه ما رواه المحدث علي بن إبراهيم في تفسيره في حديث هجرة جعفر بن أبي طالب - رضي اللّه تعالى عنه - وأصحابه إلى الحبشة : وبعث قريش عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص إلى النجاشي ليردوهم - وساق الحديث الطويل - إلى أن قال :
وكان على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه فنظرت إلى عمارة وكان فتى جميلا فأحبته ، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله ، قال لعمارة : لو راسلت جارية الملك ، فراسلها فأجابته فقال عمرو : قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا ، فقال لها ، فبعثت إليه ، فأخذ عمرو من ذلك الطيب وأدخله على النجاشي وهمّ بقتل عمارة ، ثم قال : لا يجوز قتله ، لأنه دخل بلادي بأمان ، فدعى السحرة وقال : اعملوا به شيئا أشدّ عليه من القتل ، فأخذوه ونفخوا في إحليله الزيبق ، فصار مع الوحش يغدو ويروح ، وكان لا يأنس بالناس ، فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش ، فأخذوه ، فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتى مات ، الخبر 348 .
عدم تأثير السحر فيه صلّى اللّه عليه وآله أو في الأئمة عليهم السلام
قال شيخنا البهائي في مفتاح الفلاح :
إعلم إنا معاشر الإمامية على أن السحر لم يؤثر في النبي صلّى اللّه عليه وآله وأمره في هذه السورة ( أراد سورة الفلق ) بالاستعاذة من سحرهن لا يدل على تأثير السحر فيه صلّى اللّه عليه وآله كالدعاء في « ربّنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا » وأما ما نقلوه من أنّ السحر أثر فيه صلّى اللّه عليه وآله كما رووه من أنّه صلّى اللّه عليه وآله سحر حتى أنه كان يخيّل إليه انه فعل الشيء ولم يكن فعله فهو من جملة الأكاذيب ولو صحّ ما نقلوه لصحّ قول