والدين لا يسد عقل الإنسان عن تحكيم ورصد المجهر العقلي من أوّل الطريق إلى آخره ، فلا يمكن مصادرة العقل ولا الثوابت ولا الموازين ، بل لا بدَّ أن تظل محكمة في كل صغيرة وكبيرة ، من هنا نفهم لماذا نادى الرسول الأعظم ( ص ) عندما رآه البعض واقفاً مع امرأة في أحد الشوارع فنادى الناظر هذه صفية زوج النبي ( ص ) « 1 » فإنّه ( ص ) يعطي درساً للناس بأن المراقبة في المعرفة لا بدَّ أن تبقى مستمرة حتّى على الأنبياء .
وكذلك من هذا البيان نفهم لم كان طغاة بني أميّة وبني العبّاس يختبرون الأئمّة ( عليهم السلام ) بالأسئلة العلمية والمناظرات ، لأنهم كانوا يريدون التأكد من إمامتهم فضلًا عن أهدافهم الأخرى ، فإنّهم لما كانوا الأفضل والأعلم بمقتضى الإمامة ، فلا بدَّ أن تكون الأفضلية والأعلمية متحققة باستمرار وليس في أوّل الطريق فقط .
ثمّ تأتي في المرتبة الرابعة صلاحيات الفقهاء وهم الذين لهم نيابة عامة ، أي ليس لهم ارتباط واتصال بأهل البيت إلّا عبر الكتاب والسُنّة والمصادر الدينية فلم ينب أحدٌ منهم بالخصوص وإنما صارت له النيابة وفق شرائط وموازين بيّنها الله والنبي والأئمّة ، وهكذا في نفس المرتبة أي الرابعة حجية النواب بالنيابة الخاصة وهم السفراء ، فإنّ الفقهاء والسفراء في مرتبة واحدة إذ تقدم أنه لا منافاة بين حجية كل منهما ولا
هامش
( 1 ) روى الحافظ الأصفهاني في تاريخ أصفهان 211 : 2 بسنده إلى علي بن الحسين ( ع ) عن صفية قالت : اعتكف رسول الله ، فجئت لُاحدّثه ، فخرج رسول الله ليقلّبني ( ليودعني ) ، فلمّا بصر كان في بعض الطريق بصر برجلين من الأنصار ، فدعاهما فقال : « أتدريان من هذه ؟ » ، قالا : لا يا رسول الله ، قال : « هذه صفية زوج النبي ، وإني خشيت أن يوقع في أنفسكما شيئاً » ، قالا : أوَعليك يا رسول الله ؟ ! فقال رسول الله : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق وإني خشيت أن يوقع في أنفسكما شيئاً » .