أ - إنّ تلك الفتوحات لم تكن عموما من أجل مصالح الإسلام العليا ، حيث إنّ الحكام كانوا يستفيدون من تلك الفتوحات في مجال إرضاء طموحاتهم وإشباع غرورهم ، فقد أسالت الفتوحات لعابهم بما فيها من غنائم وبسط نفوذ ، فصاروا يهتمّون بتقوية أمرهم وتثبيت سلطانهم ، وهناك من الحكّام من كان الدين والإسلام بنظرهم مجرد شعار يخدم ملكهم ويقوّيه .
ونستطيع أن نورد كثيرا من الشواهد والأدلة على مدى اهتمام الحكام وأعوانهم وكلّ من ينتسب إليهم بجمع الأموال والحصول على الغنائم بحقّ أو بغير حقّ ، ويكفي أن نذكر : أنّ زيادا بعث الحكم بن عمر الغفاري على خراسان ، فأصابوا غنائم كثيرة فكتب اليه زياد : أما بعد ، فإنّ أمير المؤمنين كتب أن يصطفي له البيضاء والصفراء ، ولا يقسّم بين المسلمين ذهبا ولا فضّة ، فرفض الحكم ذلك ، وقسّمه بين المسلمين ، فوجّه إليه معاوية من قيّده وحبسه فمات في قيوده ، ودفن فيها ، وقال : إنّي مخاصم « 1 » .
وقد بدأ التعذيب بالجزية في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب « 2 » ، بل لقد رأيناهم يوجبون الجزية حتى على من أسلم من أهل الذمة ، وذلك بحجة أنّ الجزية بمنزلة الضريبة على العبد فلا يسقط إسلام العبد ضريبته ، لكن عمر ابن عبد العزيز شذّ عن هذه السياسة وأسقطها عنهم ، كما يذكرون « 3 » .
كما أنّ عمر بن الخطاب حاول أخذ الجزية من رجل أسلم على اعتبار أنّه : إنّما أسلم متعوّذا ، فقال له ذلك الشخص : إنّ في الإسلام لمعاذا ، فقال عمر :
هامش
( 1 ) مستدرك الحاكم : 3 / 442 - 443 .
( 2 ) المصنف لعبد الرزاق : 11 / 245 فما بعدها .
( 3 ) تاريخ الدولة العربية : 235 ، وتاريخ التمدن الإسلامي : 1 / 273 - 274 .