خصومه ، واستغلال كلّ ما من شأنه أن يوهن العزيمة ويشلّ القوى فيهم .
وهكذا انكفأ عبيد اللّه بن عباس على نفسه واستجاب لداعي الخيانة ، ملتمسا لعدوّه الذي وتره بابنيه ، مخلّفا وراءه لعنة التاريخ ، وقد شاء لنفسه أن ينحدر إلى هذا المستوى الساقط فيدخل حمى معاوية ليلا دخول المهزوم المخذول ، الذي يأباه كلّ حرّ ينبض عنده الضمير .
وينبلج الصبح عن افتقاد المعسكر قائده ، فترقص قلوب المنافقين والمسالمين ، وتدمى عيون المخلصين ، هذا والحسن ( عليه السّلام ) لا يزال في موقفه الصلب بضرورة مقاتلة معاوية .
ويكاد الأمر ينتقض على الإمام ( عليه السّلام ) في مسكن ، ولكنّ القائد الشرعي - وهو الرجل المؤمن الصامد قيس بن سعد بن عبادة الذي جعله الإمام ( عليه السّلام ) خلفا لعبيد اللّه بن العباس إذا غاب عن القيادة - حاول جادا في أن يحافظ على البقية الباقية من معنويات الجيش المنهارة بانهزام القائد وإقرار التماسك بين فرقه وأفراده ، فقام فيهم خطيبا وقال :
« أيّها الناس ! لا يهولنّكم ولا يعظمنّ عليكم ما صنع هذا الرجل المولّه ، إنّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قطّ ، إنّ أباه عمّ رسول اللّه خرج يقاتله ببدر ، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري ، فأتى به رسول اللّه فأخذ فداءه فقسّمه بين المسلمين ، وإنّ أخاه ولّاه على البصرة فسرق ماله ومال المسلمين ، فاشترى به الجواري وزعم أنّ ذلك له حلال ، وإنّ هذا ولّاه على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة ، وترك ولده حتى قتلوا ، وصنع الآن هذا الذي صنع » « 1 » .
هامش
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 35 .