وما لبث أن جاءته الأنباء بأنّ ابن العاص قد تغلّب عليها وقتل وإليها محمد بن أبي بكر ومثّل به ثم أحرقه ، فانتدب مالك بن الحرث الأشتر وولّاه عليها لإنقاذها من أيدي الغزاة ، وكان كما يصفه المؤرّخون حازما قويا مخلصا لأمير المؤمنين كما كان أمير المؤمنين لرسول اللّه على حدّ وصف الإمام وغيره له .
ولمّا بلغ معاوية نبأ اختياره حاكما في مصر اضطرب واشتدّ خوفه على أنصاره وقواته المرابطة فيها ، واستطاع بعد تفكير طويل أن يجد المخرج من تلك الأزمة التي أحاطت به ، فأغرى أحد أنصاره ممّن يسكنون الطريق التي لابدّ للأشتر من المرور عليها بالمال لقاء اغتياله ، ولمّا بلغ الأشتر ذلك المكان ونزل فيه جاءه بعسل مسموم كان قد أعدّه له بناء لتخطيط معاوية ، فكانت به نهايته « 1 » ، وكان ناجحا في التخلّص من خصومه بهذا الأسلوب ، فقد قتل ابن خاله محمد بن أبي حذيفة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والإمام أبا محمد الحسن ( عليه السّلام ) بهذا الأسلوب ، وأحيانا كان يتباهى به ويقول : إنّ للّه جندا من العسل ينتقم به لأوليائه .
وتوالت الأحداث في داخل العراق والبلاد التي كانت تخضع لسلطة أمير المؤمنين ، فلم يكن يفرغ من تمرّد حتى يفاجأ بآخر ولا يسدّ ثغرة إلّا فتحت له أخرى حتى طمع فيه معاوية إلى حدود الاستخفاف « 2 » ، هذا وأصحابه بالرغم مما يجري حولهم وعلى حدود بلادهم وفي خارجها من احتلال لبعض المقاطعات وقتل ونهب ممعنون في خلافه مفرقون فيما أحبّوا من
هامش
( 1 ) تأريخ اليعقوبي : 2 / 193 - 194 .
( 2 ) راجع أعيان الشيعة : 1 / 528 - 530 ، وتاريخ اليعقوبي : 2 / 195 - 200 .