طلب العافية ، إذا استنفرهم لا ينفرون وإذا دعاهم لا يجيبون ، يتعللون بالأعذار الواهية كحر الصيف وبرد الشتاء ، ولا يغضبون لحقّ أو دين ولا للمشرّدين والمستضعفين حتى كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل ويبكي أحيانا على من مضى من أنصاره ويقول : « متى يبعث أشقاها فيخضب هذه من هذا ؟ » مشيرا إلى رأسه الكريم ولحيته الشريفة ، ويتمنّى لو أنّ معاوية صارفه فيهم صرف الدينار بالدرهم فأخذ منه عشرة وأعطاه واحدا من أهل الشام ، ووطّن نفسه أخيرا أن يخرج لحرب معاوية بمن هم على رأيه من أهله وعشيرته وأنصاره ، فيقتل بهم حتى يلقى اللّه في سبيل الحقّ والعدل ، وتحدّث إليهم حديثا لا لبس فيه ، وحمّلهم تبعات ما سينجم عن تخاذلهم « 1 » .
وكان - على ما يبدو - لهذا الموقف الحازم منه أثره في نفوس القوم بعد أن أيقنوا بأنّه سيخرج بنفسه وأهله وخاصّته إلى معاوية ، وسيلحقهم بذلك الخزي والعار ويصبحون حديث الأجيال إذا هم تركوه يخرج على هذه الحال ، فردّ عليه زعماؤهم ردّا جميلا ، وجمع كلّ رئيس منهم قومه وتداعوا للجهاد من كلّ جانب وتعاقدوا على الموت معه ، حتى أصبحت الحرب حديث الناس ، وأرسل إلى عمّاله في مختلف المناطق يدعوهم للاشتراك معه بمن عندهم من الجيوش والمقاتلين .
وخرج الناس إلى معسكراتهم في النخيلة ينتظرون انسلاخ شهر رمضان من سنة أربعين لهجرة النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، وأرسل أمير المؤمنين ( عليه السّلام )
هامش
( 1 ) نهج البلاغة الخطبة 177 ، طبعة محمد عبده .