به ، وأنا أولى بالعفو ، فنحن أهل البيت لا نزداد على المذنب إلينا إلّا عفوا وكرما » « 1 » .
ونظر الحسن إلى أبيه وقد حرق الهمّ والجزع قلبه فقال له :
« يا أبة ، من لنا بعدك ؟ إنّ مصابنا بك مثل مصابنا برسول اللّه » فضمّه الإمام وقال : مهدّئا روعه :
« يا بني ! أسكن اللّه قلبك بالصبر ، وعظّم أجرك ، وأجر إخوتك بقدر مصابكم بي » .
وجمع الحسن لجنة من الأطباء لمعالجته وكان أبصرهم بالطبّ أثير بن عمرو السكوني « 2 » فاستدعى برئة شاة حارة فتتبع عرقا منها فاستخرجه فأدخله في جرح الإمام ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا هو مكلّل ببياض الدماغ ، لأنّ الضربة قد وصلت إلى دماغه الشريف فارتبك أثير والتفت إلى الإمام - واليأس في صوته - قائلا :
« يا أمير المؤمنين ! عهد عهدك ، فإنّك ميت » « 3 » .
فالتفت الحسن إلى أبيه ودموعه تتبلور على وجهه ، وشظايا قلبه يلفظها بنبرات صوته قائلا :
« أبة ! كسرت ظهري ، كيف أستطيع أن أراك بهذه الحالة ؟ » وبصر الإمام فرأى الأسى قد استوعب نفسه ، فقال له برفق :
« يا بني ! لا غمّ على أبيك بعد هذا اليوم ولا جزع ، اليوم ألقى جدّك محمد المصطفى ، وجدّتك خديجة الكبرى ، وأمك الزهراء ، وإنّ الحور العين ينتظرن أباك ، ويترقّبن قدومه ساعة بعد ساعة ، فلا بأس عليك ، يا بني لا تبك » .
هامش
( 1 ) جميع النصوص التي وردت تحت عنوان « بجوار والده ( عليه السّلام ) الجريح » نقلت عن : زندگانى امام حسن مجتبى ( عليه السّلام ) 153 - 154 .
( 2 ) أثير بن عمرو السكوني ، كان أحد الأطباء الماهرين يعالج الجراحات الصعبة ، وكان صاحب كرسي ، وله تنسب صحراء أثير .
( 3 ) الاستيعاب : 2 / 62 .