عليه حتى ذهب بصره وهو قادر على أن يخبره بمكانه فلم يفعل حتى أذن له اللّه تعالى في ذلك ، ولم يكن تركه لاعلام أبيه عليهما السّلام مع تلك الحالة التي وصفناها إلا عن أمر اللّه تعالى لحكمة اقتضت ذلك ، وهذا كما أن اللّه تعالى لم يبعث محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالنبوة إلا بعد أربعين من عمره مع انتشار الكفر والفساد وعبادة الأوثان والالحاد وليس لأحد أن يقول لم أخر بعثته إلى الأربعين ولم يبعثه قبل ذلك مع وجود المقتضي لبعثه لأن ذلك معارضة للحكيم فيما لا يطلع عليه ولا يعلم حكمته غيره مع أنه إذا جاز أن يؤخر اللّه تعالى خلقه مع وجود الظلم جاز أن يؤخر ظهوره مع وجوده على أن الوارد أنه لا يظهر حتى تمتلئ ظلما وجورا ولم يحن بعد ذلك الزمان .
الشبهة الثامنة : إذا كان الخوف هو المانع له عن الظهور وكان يخاف من أعدائه فلم لا يظهر لشيعته وأوليائه يرشدهم إلى ما لا يعلمون .
( والجواب ) : أولا : أنه بعدما قامت الأدلة القاطعة على وجوده وعصمته فلا يمكن الاعتراض والسؤال ، لم فعل كذا ولم يفعل كذا ، لأنا نعلم أنه لا يصدر إلا عن أمر ربه ولا يتجاوز ما حدد له وقد أجيب عن ذلك بوجوه .
أحدها : أن سبب عدم ظهوره لأوليائه الخوف من انتشار خبره وظهوره أمره بإذاعة من يظهر لهم .
ثانيها : أن غيبته عن أعدائه للخوف منهم وعن أوليائه للخوف عليهم فإذا ظهر لهم ذاع خبره وطولبوا به .
ثالثها : وهو الذي عول عليه المرتضى قال : أولا لا نقطع أنه لا يظهر لجميع أوليائه فإن هذا أمر مغيب عنا ، ولا يعرف كل منا إلا حال نفسه .
ثانيا نقول في علة غيبته عنهم أنه إنما يميز شخصه بالمعجز الذي يظهر على يديه والشبه تدخل في ذلك فلا يمتنع أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه هو المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه ولحق بهذا التقصير بمن يخاف منه من الأعداء .