فجعلها خصوص وصف الحيلولة لا تأذى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومادمى به وغير ذلك ، فالعمل بحيلولته ومانعيته عن الكتاب صار رزية كل الرزية يحق لها ما فعل ابن عباس ، فأظهر أن المصابية منه ليست شخصية ودنيوية بل هي دينية واسلامية نوعية ، فإنّ فوات الكتاب لو كان ضررا وصدمة فهو على من قال فيهم « لا تضلّوا بعده » « 1 » لا على ابن عباس مثلا ، ومثل هذا البكاء عند تذكر تلك الواقعة كأنّه يكشف عن إحساس وقوع ما كان يخاف من الضلال وإدراك وقوع ذلك المحذور حسّا وإلّا فلو مضى أعوام ولم يظهر وقوع ذلك الأمر المحذور الذي خيف منه كان حرّيا هو ان أمر المنع والحيلولة دون زيادة التأثر والتصدم كما لا يخفى .
[ تحقيق رشيق في الكلام ]
أمّا كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الأول فهو أمر ووعد بيّن فيه الداعي إلى فعل ما وعد . وهو خوف ضلالهم ومنع ذلك الضلال ، ومن الواضح كفاية الاحتمال في التصدي والتعرض لإيجاد ما يمنع ذلك المحتمل فضلا عن عرفان العواقب والاطلاع بالعاشرة على طويات السرائر وما يؤل إليه لولا الآمر والزاجر ، بل الضرر المحتمل إذا كان جليلا وجب الفرار عنه ، كما هو الشاهد في إفعال العقلاء عامّة ، ومثل ذلك الكلام من أيّ متكلّم كان إذا علم صلوحه لمعرفة ما ينبئ عنه لا يصح معاوضته إلّا فمن يقطع بأن لا يقع ذلك المحتمل عن حسّ صحيح واطلاع على الغيب ، فيصح له معارصة المتكلّم في دعواه الكون في معرض الضلال والحاجة إلى المانع عن وقوعه كما لا يخفى ، وكذا فمن يعرف عدم حصول الاحتمال للمتكلّم ولا هو موجود في الواقع .
هامش
( 1 ) « مسند أحمد بن حنبل » ، ج 1 ، ص 222 ؛ « صحيح البخاري » الجزء الخامس ، ج 3 ، ص 137 و 138 ؛ الجزء الرابع ، ج 2 ، ص 66 .