فلمّا قدمنا بيت المقدس تفرّقنا لنفيض علينا من الماء ، ونلبس ثيابا طاهرة ، ثمّ دخلنا ، وإذا « كعب الأحبار » جالس وحوله ناس كثيرة ، وإذا صاحبنا ذلك جالس في جنبه تتلامس ركبتاهما .
فجاء رئيس أحبار اليهود ومن معه ، وإنّ منهم لمن قد رفع حاجبيه من الكبر ، ومعهم تلك العصيّ السود يتوكّأون عليها ، فقال لكعب : إنّك كنت من علمائنا وخيارنا ، وإنّا لنراك قد رغبت عن ديننا ، فإنّ كنت أبصرت شيئا لم نبصره فأخبرنا ، وإن كنت إنّما طلبت الدنيا فاتّق اللّه ، فإنّ الدنيا ذاهبة .
فقال كعب للقوم : هل فيكم من يكلّم هؤلاء القوم ؟
فقال صاحبنا ذلك : أنا اكلّمهم ، فقال : قم إليهم .
فانطلق إلى رحله ، فجاءه بصحف ، فوضعها في حجر رجل منهم شاب ، فجعل يقرأ ، وجعلوا يبكون حتّى إذا أتى على ذكر الإسلام ، ذكر « محمّد » صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صاح ، ثمّ رمى المصحف ، فأخذه الرجل وضمّه إليه ، وقال له : أعده علينا !
فقال : لا أفعل ، لأنّكم عمدتم إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ فنبذتموه .
قال : فما زالوا يطلبون حتّى قال : لا أفعل ذلك إلّا وهو في حجري .
فقالوا له : نعم .
فوضعه في حجره ، وجاء الرجل فجعل يقرأه ، وجعلوا يبكون حتّى إذا أتى على ذكر الإسلام ، وذكر محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قاموا فقطعوهما بينهم من قبل آخرهم ، فأسملوا كلّهم .
قال : فقلت : أخبرنا ما هذا المصحف ؟
فقال : أما تذكرون يوم فتحت السوس « 1 » ، فإنّ رجلا جاء فاشترى مصحفا
هامش
( 1 ) السوس : قال في معجم البلدان : 3 / 280 . بلدة بخوزستان ، فيها قبر دانيال