فلمّا أراد الخروج إلى مكّة حمل على وجهه ، فاتي به مكّة ، فخرج إليه أربعة من قريش : عبد شمس ، وعبد مناف ابنا قصيّ ، والأخوص بن مهر ، وعقيل بن أبي وقاص ، فانتموا إلى غير نسبهم ، وقالوا : نحن أناس من جمح ، أتيناك لمّا بلغنا قدومك ، ورأينا أنّ إتيانك حقّ لك واجب .
فأهدى له عقيل صحيفة هنديّة ، وصعدة ردينيّة « 1 » ، فوضعت على باب البيت لينظروا هل يراهما « سطيح » أم لا ؟
فقال : يا عقيل ! ناولني يدك . فناوله إيّاها ، فقال :
يا عقيل ! والعالم الخفيّة ، والغافر الخطيّة ، والكعبة المبنيّة ، إنّك الجائي بالهديّة ، الصحيفة الهنديّة ، والصعدة الردينيّة . قال : صدقت يا سطيح .
فقال : واللات بالفرح ، وقوس قزح ، وسائر الفرح ، واللطيم المنبطح ، والنخل والرطب والبلح ، إنّ الغراب حين مرّ سنح « 2 » ، وأخبر أنّ القوم ليسوا من جمح ، وأنّ نسبهم في قريش ذي البطح .
قالوا : صدقت يا سطيح ، نحن أهل البلد ، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك ، فأخبرنا عمّا يكون في زماننا ، وما يكون بعده إن يكن عندك في ذلك علم .
فقال : الآن صدقتم ، خذوا منّي ومن إلهام اللّه ، أنتم الآن يا معشر العرب في زمان سواء بصائركم وبصيرة العجم ، لا علم عندكم ولا فهم ، ولينشأنّ من عقبكم دهم « 3 » ، يطلبون أنواع العلم ، ويكسرون الصنم ، ويبلغون الردم « 4 » ، ويقتلون العجم
هامش
( 1 ) الصعّدة : القناة المستوية المستقيمة .
والرديني : الرمح ، نسبة إلى ردينة ، وهي امرأة اشتهرت بتقويم الرماح .
( 2 ) سنح الطير : مرّ من المياسر إلى الميامن .
( 3 ) الدهم : الخلق .
( 4 ) استظهرناها في الأصل « البردم » ، والردم : السدّ بين يأجوج ومأجوج ( القاموس المحيط : 4 / 120 ) .