لنا ما تقدّم ، من أنّ الخاصّ أقوى دلالة ، فيكون العمل به أرجح .
ومن أنّ العمل بالعامّ في جميع الصور ، يوجب إلغاء الخاصّ ، واعتبار الخاصّ لا يوجب إلغاء واحد منهما ، فكان أولى . « 1 »
وفيه نظر ، فإنّه على تقدير تأخير العامّ عن وقت العمل بالخاصّ ، فيكون نسخا ، لا إلغاء للخاصّ ، إذ قد عمل به أوّلا ، فكان التخصيص في زمانه ، وليس التخصيص في أعيان العامّ ، أولى من التخصيص في أزمان الخاصّ .
واحتجّ أبو الحسين : بأنّ قوله : « لا تقتلوا اليهود » يمنع من قتلهم أبدا ، وقوله من بعد : « اقتلوا الكفّار » يفيد قتلهم في حالة من الحالات ، والخبر الخاصّ يمنع من قتلهم في تلك الحالة ، فإذا تمانعا ، والخاصّ أخصّ باليهود ، وأقلّ احتمالا ، وجب القضاء به .
ولو قال : « اقتلوا اليهود » ثمّ قال : « لا تقتلوا الكفّار » وقد بقيت من اليهود بقيّة لم يقتلوا ، فالأمر يقتضي قتلهم في حال من الحالات ، والنّهي يمنع من ذلك ، فإذا تمانعا في تلك الحال ، قضي بالخاصّ . « 2 »
واحتجّت الشافعيّة : بأنّ الخاصّ معلوم دخول ما تناوله تحته ، ودخول ذلك تحت العامّ مشكوك فيه ، والعامّ لا يترك بالشك .
وهو ضعيف ، لأنّهم إن أرادوا أنّ العامّ لو انفرد لم يعلم دخول ما تناوله تحته ، فممنوع ، وإن أرادوا أنّه لا يعلم ذلك لأجل الخاصّ ، ففيه النّزاع ، وهو ترك
هامش
( 1 ) . الاستدلال للرازي في محصوله : 1 / 442 .
( 2 ) . المعتمد : 1 / 257 .