تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الأصول الفقهية — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
قالوا ثانيا : لو كان مسقطا للقضاء لكان إتمام الحجّ الفاسد مسقطا للقضاء ولا يسقط بالاتفاق . والجواب : إنّ ما وجب في الحجّ إنّما هو قضاء ما فسد ، والاتمام فعل آخر وجب بأمر آخر ، والاتمام لم يجب قضائه . فما فعل سقط قضائه ، والّذى يجب قضائه لم يفعل . وممّا يناسب ذكره في المقام ما اشتهر بين المتأخّرين : من أنّه لا فرق في العبادات بين الإجزاء والقبول بمعنى إنّ كل عبادة مجزئة أي مخرجة لصاحبها عن عهدة التكليف ، فهي مقبولة بمعنى إنّه يترتّب عليها الثواب . ونقل عن السيّد المرتضى « 1 » - رحمه اللّه - إنّه قال بالفرق بين الامرين ، وإنّه قد يكون العبادة مجزئة بالمعنى المذكور ولكنّها غير مقبولة أي لا يترتّب عليها الثواب كما إذا وقعت رياء . ولعلّه - رحمه اللّه - لا يشترط نيّة القربة في صحّة العبادات ، بل في ترتّب الثواب عليها خاصة . وهو محلّ نظر . نعم يمكن الفرق بين الامرين أي الإجزاء والقبول في مثل ما إذا صلّى بغير حضور القلب أصلا ولا خشوع . فإنّ هذه الصلاة مجزئة اتّفاقا لعدم وجوب الحضور والخشوع في الصلاة . فإنّهما مستحبّان ومعدودان في جملة المكمّلات ، ولا ثواب في مثل هذه الصلاة كما ورد به الاخبار ، لفوات المعنى المقصود من الصلاة عنه . فإن قيل : العبادة إذا لم يترتّب عليها الثواب أصلا فكيف يكون مخرجة عن عهدة التكليف ؟ بل يكون فعلها عبثا ، فإنّ التكليف إنّما يكون لإعطاء الثواب . قلنا : إنّ لكلّ شيء روحا وحقيقة وله قالب وصورة . فروح الصلاة مثلا هو الذكر بالقلب والخشوع به وبالجوارح والتمسّك والتضرّع إلى اللّه ؛ وقالبه الافعال المعهودة والحركات المشهودة . فالمصلّى إذا أتى بتلك الحركات من غير حضور ولا خشوع ، فهو من حيث إنّه آت بالمأمور به بالأمر الايجابي مثاب ، وفعله مقبول . لأنّه امتثل أمر اللّه - تعالى - فيه وراض نفسه في طاعة اللّه كما امر به ؛ ولكن ثوابه ليس ثوابا يترتّب على فعل الصلاة من حيث هي صلاة . لأنّ الصلاة من حيث هي صلاة لا يتحقق إلّا بوجود حقيقته وروحه دون مجرّد صورته وقالبه . فلو كان هذا المصلّى يفعل فعلا آخر مأمورا به بقدر تلك الصلاة مكانها من غير جنسها كان له مثل ذلك الثواب بعينه ، لاشتراكهما في امتثال الامر والطاعة . فمثل هذا الفعل من حيث الغالب والصورة مجزئة ومقبولة ، ومن حيث الحقيقة والمعنى ليست بمجزئة ومقبولة . وهذا تحقيق يكاد يجمع بين القولين ويرفع الخلاف من البين ، ولكن في مثل ما لم يفت فيه شرط من الشروط الواجبة .
هامش
( 1 ) - الذريعة 1 : ص 121 - 122 .
نقد الأصول الفقهية — صفحة 86 | الفيض الكاشاني