بارتكابه المنهى عنه . وقد ظهر من هذا متفرّعات هذا الأصل من جهة المعاملات ، وقد أشرنا فيما سبق إلى بعضها من جهة العبادات أيضا . ثم لا تظنّن أنّ مثل ما إذا تكلّم في الصلاة أو قال آمين أو فعل شيئا من غير الصلاة ونحو ذلك ممّا قد نهى الشارع عنها ، يتفرّع على هذا الأصل زعما منك أنّه نهى في العبادة . فإنّ النهى لو دلّ فانّما يدلّ على فساد المنهى عنه ، لا ما وقع والمنهى عنه ولا كلّ ما نهى عنه بل ما يجرى فيه الصحة والفساد . أمّا إذا فعل شيئا من أجزاء الصلاة في غير موضعها مع نهى الشارع عنه أو على وجه ينهى عنه ، فإنّه يدلّ على فساد ذلك الجزء بمعنى عدم صلاحية للجزئية ، وكذلك القول في الشروط .
ومما فرّعوا على هذا الأصل ما لو اشرف الأعمى على السقوط في بئر مثلا وترك المصلّى تحذير فيه وبقي مشتغلا بالقراءة ، فإنّ صلاته تبطل إن قلنا باستلزام الامر النهى ، لتعلّق النهى بجزء الصلاة أعنى القراءة فتبطل ، وإذا بطل الجزء الواجب للعبادة بطل تلك العبادة . وإن لم نقل بذلك لم يبطل ، لأنّ النهى حينئذ عن أمر خارج عن الصلاة . أمّا لو كان ساكتا عن القراءة في هذا الوقت فإنّ صلاته لا تبطل ، لأنّه ليس في تلك الحال منهيا عن جزء الصلاة ولا عن شرطها . هذا ولقائل أن يقول : إنّه في تلك الحالة منهىّ عن شرط الصلاة وهي الاستدامة الحكمية ، فيجب تخصيص البحث بما إذا لم نقل ببطلان الصلاة بكلام قليل وبما إذا لم يتوقّف تحذيره على كلام كثير يخرج به عن كونه مصلّيا . فتأمّل !
أصل « 1 » : هل يجوز الامر بشئ مع علم الآمر بانتفاء شرطه « 2 » ؟ وبعبارة أخرى أن يأمر اللّه تعالى بشرط أن لا يمنع المكلّف منه أو بشرط أن يقدّره فإذا منعه أو لم يقدّره أسقط التكليف عنه ، فيه قولان . والظاهر جوازه بشرط عدم علم المكلّف بانّه سيمنع .
لنا : إنّ الامر كما يحسن لمصالح تنشأ من المأمور به كذلك يحسن لمصالح تنشأ من نفس الامر . فإنّ المكلّف إذا لم يعلم بامتناع فعل المأمور به ربما يوطّن نفسه على الامتثال ، فيحصل له لذلك لطف في الآخرة وفي الدنيا ، لانزجاره عن القبيح فتصير مطيعا ، وربما يعزم على الترك
هامش
( 1 ) - حاشية النسخة : واعلم أنّ لهذا الأصل واللّذين يليانه سابقا فوائد كثيرة ومتفرعات غير يسيرة . ورأينا فيها يخالف رأى كثير الأصحاب . لكنّا اقتفينا ما تقتضيه نظرنا الكليل وفكرنا العليل دون التقليد الّذى ليس مشاقّة إلى سبيل التحصيل ، وان كان مراعاة ما عليه الأصحاب أحوط في مسلك التقليد وأصون لمذهب التورّع . ( منه )
( 2 ) - إذا كان الفعل مشروطا بشرط فلا يخلو إمّا أن يكون الشرط موجودا في وقته في ذلك الفعل أو لا ؟ وعلى التقديرين فالآمر والمأمور إمّا عالما به أو غير عالمان أو بالتفصيل . فهذه ثمان صور فإن كان الشرط موجود جاز الامر به مطلقا وان كان مفقودا وكان الآمر جاهلا جاز أيضا سواء كان المأمور جاهلا أو لا ، وإن كان الآمر عالما بانتفائه ففيه الخلاف سواء كان المأمور عالما أو جاهلا فعند الجمهور من الا شاعرة يجوز وعند أصحابنا والمعتزلة لا يجوز . ( حاشية ملا صالح على المعالم : ص 69 )