يدلّ على أنّ لىّ غير الواجد لا يحلّ عقوبته وعرضه » ، وكذا قوله لمّا سمع قوله عليه السلام « 1 » : مطل الغنى ظلم ، « إنّ هذا يدلّ على أنّ مطل غير الغنى ليس بظلم » . فإنّهما كانا عالمين بلغة العرب ، فالظاهر فهمها ذلك لغة .
احتجّوا : بأنّه ورد في الخطابات ما ينتفى المشروط والمغيّى والموصوف عند انتفاء الشرط والغاية والصفة وما لا ينتفى عنده ، والعام لا دلالة له على الخاص .
والجواب : إنّ مقتضى دليلنا أنّ الحكم المعلّق على أحد هذه الأشياء ظاهر في انتفائه عند انتفائها ، وهذا لا يمنع التصريح بخلافه . وحينئذ يكون التصريح قرينة صارفة عمّا يجب الحمل عليه عند التجرّد عنها . فمتى لم يظهر لنا دليل شرعي على ثبوت الحكم عند انتفاء المعلّق عليه حكمنا بالانتفاء لقيام الدليل الظاهر عليه ، ومتى ظهر كان ذلك قرينة على أنّ المراد خلاف الظاهر .
قالوا ثانيا : لو كان انتفاء الشرط مقتضيا لانتفاء ما علّق عليه لكان قوله تعالى
« وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً »
« 2 » دالّا على عدم تحريم الإكراه حيث لا تردن التحصّن وليس كذلك ، بل هو حرام مطلقا بالاجماع .
والجواب أمّا اوّلا : فيمثّل ما مرّ آنفا . فإنّ الاجماع القاطع هاهنا معارض لدليلنا ، ولا ريب انّ الظاهر يدفع بالقاطع .
وأمّا ثانيا : فلأنّ ظاهر الآية يقتضى عدم تحريم الاكراه إذا لم تردن التحصّن ، لكن لم يلزم من عدم الحرمة ثبوت الإباحة . إذ انتفاء الحرمة قد يكون بطريان الحلّ وقد يكون لامتناع وجود متعلّقها عقلا . لأنّ السالبة تصدق بانتفاء المحمول تارة وبعدم الموضوع أخرى . والموضوع هنا منتف ، لأنّهنّ إذا لم تردن التحصّن فقد أردن البغاء ومع إرادتهنّ البغاء يمتنع اكراههنّ عليه . فإنّ الاكراه هو حمل الغير على ما يكرهه ، فحيث لا يكون كارها يمتنع تحقّق الاكراه فلا يتعلّق به الحرمة .
وأمّا ثالثا : فلأنّ التعليق بالشرط إنّما يقتضى انتفاء الحكم عند انتفائه إذا لم يظهر للشرط فائدة أخرى ، ويجوز أن يكون فائدته في الآية المبالغة في النهى عن الاكراه « 3 » يعنى إنّهنّ إذا أردن العفّة فالمولى أحقّ بإرادتها ، وإنّ الآية نزلت فيمن تردن التحصّن ويكرههنّ المولى على الزّنا .
قالوا ثالثا : لو دلّ لكانت إحدى الثلاث وهي بأسرها ينتفيه . أمّا الملازمة فظاهرة . وأمّا انتفاء الملزوم فظاهر بالنسبة إلى المطابقة والتضمن ، إذ نفى الحكم عن غير محل الشرط والغاية
هامش
( 1 ) - الوسائل 13 : 90 ، مطل حقّه أي سوّفه بوعد الوفاء مرّة بعد أخرى .
( 2 ) - النور : 33
( 3 ) - لا يخفى أنّ هذا الاحتمال قائم في أكثر الشروط . ( حاشية سلطان العلماء على المعالم )