ينظر اليه . فيجوز نسخ كلّ من الكتاب والسنة المتواترة والآحاد والإجماع بمثله ، وكذا نسخ الكتاب والإجماع بالسنّة المتواترة وهي بهما ، والكتاب بالإجماع وهو به . ولا يعرف من الأصحاب مخالفا إلّا في الإجماع ، فإنّ في جواز نسخه والنسخ به خلاف مبنى على الخلاف في أنّ الاجماع هل يمكن استقراره قبل انقطاع الوحي أو لا ؟ والحقّ أنّه ممكن « 1 » . لأنّ الاجماع انضمام أقوال إلى قول لو انفرد لكانت الحجّة فيه ، فجاز حصول مثل هذا في زمن النبىّ - صلّى اللّه عليه وآله - ثمّ نسخ ذلك الحكم بدلالة شرعية متراخية . وكذلك يجوز نسخ الحكم المعلوم من السنّة أو القرآن بأقوال يدخل في جملتها قول النبي - صلّى اللّه عليه وآله - .
وأمّا نسخ الكتاب والسنّة المتواترة بالآحاد فلا يجوز عند أكثر العلماء « 2 » .
قالوا : لأنّ خبر الواحد مظنون وهما معلومان ، ولا يجوز ترك المعلوم للمظنون . وفيه نظر .
والأولى أن يقال : إنّ أحكام الكتاب والسنّة المتواترة وانّ الحكم بدوامها غير قطعي ، لتجويز تطرّق النسخ إليها ؛ لكن دلالتها على الدوام والاستمرار قويّة جدّا . وليست هي كدلالة العام على العموم حتى يتكافى الظنّ بها الظنّ إلى الحاصل من خبر الواحد ، بل هي أقوى منها كما مرّ تحقيقه في بحث تخصيص الكتاب بخبر الواحد . وعلى هذا فخبر الواحد لا يصلح أن يكون معارضا لها ، فلا يجوز نسخ الكتاب والسنة المتواترة به بهذا الاعتبار .
أصل : هل يجوز نسخ الشئ قبل التمكّن من الامتثال فيه ؟ قولان . والأصحّ : جوازه .
لنا : ما تقدّم في مسئلة جواز الامر بشرط عدم منع المكلّف من المأمور به استدلالا وتأييدا ، من أنّ الامر كما يحسن لحسن المأمور به كذلك يحسن في نفسه وإن لم يحسن المأمور به . وقصّة إبراهيم « 3 » - على نبيّنا وعليه السّلام - وعود الخمسين إلى الخمس « 4 » وقوله تعالى
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ
« 5 » .
والمعارضة : بلزوم الإغراء بالجهل على تقدير جوازه ، لأنّ المكلّف يعتقد أنّه مكلّف بالفعل في الواقع هو خلاف الواقع ، مدفوعة : بأنّ ذلك إنّما يلزم لو لم يجوز النسخ قبل الفعل ولو تجويزا
هامش
( 1 ) - وفاقا للمحقّق ، وخلافا للسيّد المرتضى حيث قال : إنّ الأمة مجتمعة على أنّ ما ثبت بالاجماع لا ينسخ ولا ينسخ به ؛ وخلافا للشيخ حيث قال محكيا عنه : الاجماع دليل عقلي والنسخ لا يكون إلّا بدليل شرعي . ( معالم الدين : 220 )
( 2 ) - قد نقل الاجماع على عدم جواز نسخ الكتاب بالاخبار الآحاد فان ثبت انقطع الكلام . وإلّا فما ذكره هاهنا من الدليل محلّ نظر . ( حاشية سلطان العلماء على المعالم : ص 26 )
( 3 ) - إنّه تعالى أمر إبراهيم ( ع ) بذبح ابنه ثمّ نسخه عنه قبل وقت الفعل . ( معالم الدين : 218 )
( 4 ) - ما روى أنّ النبىّ - صلّى اللّه عليه وآله - امر ليلة المعراج بخمسين صلاة ثمّ راجع إلى أن عادت إلى خمس ، وذلك نسخ قبل وقت الفعل . ( المصدر السابق )
( 5 ) - قوله تعالى« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ »( الرعد : 39 ) فانّه يتناول بعمومه موضع النزاع .