قالوا ثانيا : إنّ طريقة العرب الاختصار وحذف فضول الكلام ما استطاعوا . فلا بدّ لهم حيث يتعلّق إرادة المخصّص بالجمل المتعدّدة من ذكره بعدها مريدين بها الجميع حتى كأنّهم ذكروه عقيب كلّ واحدة ، إذا لو كرّر بعد كل جملة لاستهجن وكان مخالفا لما ذكر من طريقهم .
والجواب : إنّهم كما يريدون التخصيص من كلّ جملة فيختصرون كذلك يريدون من الجملة الأخيرة فقط . ولا بدّ من القرينة في الحكم بالاختصار وعدمه .
ولهم وجوه أخر ضعيفة لا فائدة في ايرادها وتزييفها .
واحتجّ المخصّص للأخيرة « 1 » بوجوه :
الاوّل : إنّ المخصّص خلاف الأصل ، لاشتماله على مخالفة الحكم الاوّل فالدليل يقتضى عدمه . تركنا العمل به في الجملة الواحدة لدفع محذور الهذريّة ، فيبقى الدليل في باقي الجمل سالما عن المعارض . وانّما خصّصنا للأخيرة لكونها أقرب ، ولأنّه لا قائل بالعود إلى غير الأخيرة خاصّة .
والجواب : إنّه إذا كان المراد بمخالفة التخصيص للأصل انّه موجب للتجوّز في لفظ العام والأصل الحقيقة ، فله جهة صحّة . لكن تعليله بمخالفة حكم الاوّل فاسد « 2 » إذ لا مخالفة فيه للحكم محال ، لأنّ الحكم لم يتعلّق بالأصالة إلّا بالباقي فلا مخالفة بحسب الحقيقة . وقوله « إنّ ترك العمل بالدليل - يعنى الأصل - في الجملة الواحدة لدفع محذور الهذريّة » هذر . فإنّ الخروج عن أصالة الحقيقة والمصير إلى المجاز عند قيام القرينة ممّا لا يعتريه شبهة الشك . وتعلّق التخصيص بالأخيرة في الجملة مقطوع به وإن كان المراد أنّ الظاهر من المتكلّم باللفظ العام إرادة العموم ، والتخصيص مخالف لهذا الأصل يعنى استصحاب هذه الإرادة ، فتوجّه المنع اليه ظاهر . لأنّ الاتّفاق واقع على أنّ للمتكلّم ما دام متشاغلا بالكلام أن يلحق به ما شاء من اللواحق ، وهذا يقتضى وجوب توقّف السامع عن الحكم بإرادة المتكلّم ظاهر اللفظ حتى يتحقّق الفراغ ، وينقضى احتمال إرادة غيره . فما لم يقع الفراغ منه لم يتّجه للسامع الحكم بإرادة الحقيقة لبقاء مجال الاحتمال . نعم لمّا كان الغرض قد يتعلّق بتخصيص الأخيرة فقط كما يتعلّق بتخصيص الجميع بطريق الاختصار واللفظ صالح بحسب وضعه لكلّ من الامرين ، لم يحصل الجزم بالعود إلى الكلّ إلّا بالقرينة . وكان تعلّقه بالأخيرة متحقّقا للزومه على كلا التقديرين . وصحّ التمسك في انتفاء التعلّق بالباقي بالأصل إلى أن
هامش
( 1 ) - والقائل أبو حنيفة وأتباعه . ( حاشية ملا صالح على المعالم : ص 100 پ )
( 2 ) - لا يخفى انّه بعد تسليم حجّة المستدل لا يضرّه فساد هذا التعليل ، بل يتمّ دليله . فالجواب المذكور لا يحسم مادة الشبهة ولا يصلح جوابا . ( حاشية سلطان العلماء على المعالم : ص 23 پ )