حتى يخصص البراءة ، وليس الأمر كذلك ضرورة أنّه لا يكون مورد يجتمع فيه الاستصحاب والبراءة ، وذلك لأنّ مجرى البراءة هو الشك في أصل الجعل الشرعي ، فإنّ مقتضى رفع ما لا يعلمون الذي هو مستند أصل البراءة هو الشك وعدم العلم بالنسبة إلى نفس حدوث الجعل ، ومجرى الاستصحاب هو الشك في بقاء المجعول لأجل الشك في وجود مزيل له بعد العلم بأصل وجوده ، ومن المعلوم مغايرة هذين النحوين من الشك وعدم إمكان اجتماعهما .
فإن قلت : إنّ الاستصحاب يجتمع مع البراءة دائما لأنّ الشك في أصل الجعل مسبوق بالعلم بالعدم فيجري كل من الاستصحاب وأصل البراءة .
قلت : لا مجال للاستصحاب في هذا الفرض ، ضرورة عدم جريان الاستصحاب حينئذ لمعارضته ، وذلك لأنّ الشك في حرمة شرب التتن مثلا واباحته يجري فيه كل من استصحاب عدم الحرمة والإباحة ويتعارضان للعلم بأصل الجعل في الجملة فيسقطان ، فالمرجع المنحصر هو أصل البراءة .
فإن قلت : يمكن فرض الشك بنحو يكون مجرى لكل من الاستصحاب والبراءة كما إذا حرم شرب الخمر ونحوه مما له موضوع خارجي ثم شك بالنسبة إلى أفراده الطولية ، نظير ما إذا علم بحرمة قطرة من الخمر في الآن الأوّل ، ثم شك في حرمة شرب القطرة في الآن الثاني والثالث وهكذا ، فحينئذ يقال : إنّه يشك في حرمة ما عدا القطرة الأولى من القطرات لاحتمال اختصاص الحرمة بالقطرة في الآن الأوّل ، فحينئذ يمكن استصحاب الحرمة السابقة وإجراء البراءة في حرمة شرب القطرات الطولية ، فاجتمع الاستصحاب وأصل البراءة .
قلت : فساده بمكان من الوضوح ، لأنّ الزمان إن كان ظرفا فلا إشكال في كون الشك في بقاء ما كان فيتعين فيه الاستصحاب ، وإن كان قيدا ومفردا فلا إشكال في جريان البراءة لكون القطرة الثانية والثالثة موضوعات مستقلة ولا مجال لجريان
نتائج الأفكار في الأصول — صفحة 94
مساهمون: السيد محمود الشاهرودي
ص٩٤