إنّما الكلام في إثبات كون الأحكام الشرعية من القضايا الحقيقية لا الخارجية ، التي يكون من خواصها صيرورة العناوين المأخوذة في حيّز الخطابات - كالمجتهد بالنسبة إلى جواز التقليد والعادل بالنسبة إلى جواز الاقتداء به - جهات تعليلية وكون الموضوع نفس الأشخاص نظير الإذن في الدخول إلى داره لزيد لأجل الصداقة ، بخلاف كون الموضوع عنوان الصديق لا شخص زيد ، فإنّه في الأوّل يجوز لزيد الدخول وإن كان عدوا للآذن ، ولا يجوز له في الثاني لعدم انطباق الموضوع وهو الصديق عليه . والحق أنّ الأحكام الشرعية مجعولة على نحو القضايا الحقيقية .
وكيف كان فمحصل ما أفاده الميرزا النائيني قدّس سرّه من البرهان على كون الأحكام من القضايا الحقيقية ، هو أنّه يلزم بناء على كونها من القضايا الخارجية أن تكون الخطابات الشرعية كقوله : ( المستطيع يحج ) ، ونحوه إخبارا ووعدا بإنشاء الأحكام عند وجود موضوعاتها ، إذ المفروض كون الموضوع نفس الأشخاص ، وما لم يوجد الموضوع لا يوجد الحكم ، فوجود الحكم أي إنشاؤه يتوقف على وجود الأشخاص ، فقوله : ( المستطيع يجب عليه الحج ) إخبار عن أنّ الشارع أو غيره ممن بيده إنشاء الأحكام ينشئ عند وجود كل موضوع حكمه ، والالتزام بكون الخطابات الشرعية إخبارا ووعدا كما ترى .
[ الإشكال الثاني : العلم الإجمالي بوقوع النسخ ، والجواب عنه ]
وأمّا الوجه الثاني : وهو العلم الإجمالي بنسخ جملة من الأحكام الشريعة السابقة لو لم نقل بنسخ كلها ، ومع هذا العلم الإجمالي لا يجري الاستصحاب في شيء من أطرافه كما قرر في محله .
ففيه : أنّ هذا العلم الإجمالي لا أثر له بعد انحلاله بمقدار ظفرنا بنسخه في هذه الشريعة يكون بمقدار المعلوم بالإجمال فيصير الشك في النسخ بدويا يجري فيه استصحاب عدم النسخ بلا مانع كما هو واضح « 1 » .
هامش
( 1 ) ولا يخفى أنّ سيدنا الأستاذ مد ظله لم يتعرض لهذا الوجه الثاني من الإشكال وجوابه لوضوحهما .