ومن المعلوم أنّ الجهل لا يزاحم الحكم الواقعي لعدم تقيد الأحكام بالعلم ، وإلّا يلزم التصويب ، بل يوجب عدم تنجيزه وصيرورة الجاهل معذورا في الترك وعدم كون ارتكابه موجبا لاستحقاق العقوبة نظير المعذورية في الشبهات البدوية .
وبالجملة الجزء الأخير للعلة التامة في ارتكاب المتنجس هو الجهل وهو يوجب العذر ولا يرفع التكليف واقعا ، فالجهل مانع عن التنجيز . ومن هنا يظهر كون الحق هو التوسط في التنجيز الذي هو مما يميل إليه الميرزا النائيني قدّس سرّه لا التوسط في الثبوت ولا ثمرة عملية تترتب على التوسط في التنجيز والثبوت حتى يتكلف في إثبات أحدهما ونفي الآخر لأنّ ما يختاره لدفع الاضطرار لا يترتب عليه عقاب قطعا ، إما لعدم المقتضي إن كان غير المتنجس وإما لوجود المانع وهو الاضطرار أو الجهل ، كما لا يخفى .
ومحصل البحث : هو أنّ قضية انحصار امتثال الواجب الأهم - أعني وجوب حفظ النفس بأحد الماءين اللذين علم إجمالا بنجاسة أحدهما - هو ارتكاب أحدهما مخيرا في دفع الاضطرار بأيّهما شاء ، لأنّه مع الجهل وعدم القدرة على تمييز المتنجس المحرم ارتكابه عن الطاهر ، ومع أهمية وجوب حفظ النفس من حرمة شرب المتنجس ينحصر الامتثال بالتخيير في ارتكاب أيّ واحد من المشتبهين شاء ، إذ لا يقدر على دفع الاضطرار بخصوص المباح فيدور الأمر بين التكليف بغير المقدور وهو دفع الاضطرار بالمباح ، وبين سقوط الواجب الأهم ، وكلاهما ممنوع لاستحالة التكليف بما لا يطاق ، وعدم سقوط الأهم لمراعاة المهم كما هو واضح ، فيتعين تخيير المكلف في دفع اضطراره بأيّ واحد من المشتبهين شاء .
ومن هنا يظهر عدم الوجه في انكار التخيير بدعوى : أنّ الترخيص في بعض الأطراف ينافي الحكم الفعلي من جميع الجهات بمعنى لزوم مراعاته في جميع الحالات حتى في ظرف الشك فيه ، والترخيص في بعض الأطراف ينافي الفعلية بهذا المعنى ، فلا يكون المكلف مخيرا في دفع الاضطرار بأيّهما أراد ، وذلك لأنّه بعد تسليم مبنى الفعلية
نتائج الأفكار في الأصول — صفحة 131
مساهمون: السيد محمود الشاهرودي
ص١٣١