استدلوا عليها بجملة من الآيات ، كالآية « 1 » الدالة على تحريم الخبائث وتحليل الطيبات وكالآية « 2 » الدالة على أنّه تعالى يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر ، وغيرهما من الآيات الدالة على أنّ القبيح والظلم منهي عنهما والعدل مأمور به .
والحاصل أنّ هذه الجهة مركبة من جهتين : إحداهما كلامية وهي كون التجري من العناوين المغيرة والموجبة للقبح . ثانيتهما : أصولية وهي استكشاف الخطاب بقاعدة الملازمة .
[ توقف استكشاف حرمة التجري شرعا على قاعدة الملازمة ]
ولكن الحقّ عدم تمامية قاعدة الملازمة والوجوه التي استدلوا بها عليها قاصرة ، إذ لا يستفاد منها إلّا كون الأمر متعلقا بالحسن والنهي متعلقا بالقبح ، وأما كون كلّ حسن وقبيح متعلقا للأمر والنهي فلا يستفاد منها أصلا ، إذ الجعل الشرعي منوط بالمصلحة والمفسدة مع عدم وجود مزاحمات وموانع للجعل ، والعقل لا يدرك إلّا المصلحة أو المفسدة في الجملة ، لعدم إحاطته بالجهات من المزاحمات والموانع ، ولعل نظر صاحب الفصول « 3 » في كون قاعدة الملازمة ظاهرية لا واقعية إلى ما ذكرناه من قصور العقل عن الإحاطة بجميع الجهات وإلّا تكون القاعدة حينئذ واقعية ، فمراده أن العقل لو أدرك المصلحة في الجملة يحكم بترتب حكم الشرع على ما أدركه العقل في مرحلة الظاهر لعدم الإحاطة بالجهات الواقعية . وكيف كان فاستكشاف الخطاب الشرعي بحرمة التجري منوط بقاعدة الملازمة .
والحقّ عدم تماميتها لما عرفت ، ومجرد القبح العقلي لا يكفي في استحقاق العقوبة ، فلا يقاس قبح التجري بقبح التشريع في إيجابه استحقاق العقوبة ، ضرورة
هامش
( 1 ) الأعراف : 157 .
( 2 ) النحل : 90 .
( 3 ) الفصول / 431 - 432 .